
وقف السفر لا يكفي: الطاقة المتجددة هي الحل “فرصتنا بالأردن للتوسع بالطاقة المتجددة” بقلم فلاح الصغير
الشعب نيوز:-
بدأت الحكومة بخطوات واضحة لضبط الإنفاق وترشيد الاستهلاك في ظل حرب إقليمية تضغط على كلف الطاقة وسلاسل التوريد، من تقييد استخدام المركبات الرسمية، ووقف السفر، وضبط استهلاك الطاقة في المؤسسات، وهي إجراءات تحمل رسالة انضباط مالي وإداري ضرورية في هذه المرحلة.
غير أن هذه الخطوات، رغم أهميتها، تعالج النتيجة لا السبب، إذ يبقى أصل المشكلة قائماً في كلفة الطاقة نفسها، لا في طريقة استهلاكها فقط.
من هنا، يصبح السؤال أكثر مباشرة: هل نكتفي بتقليل الاستهلاك، أم نذهب إلى إعادة إنتاج الطاقة محلياً؟ الإجابة بدأت تتشكل فعلياً في الأردن، بيد أن ما ينقصها هو التسريع والتوسّع، وهنا تحديداً تبرز الحاجة إلى قرار موازٍ لا يقل أهمية عن الترشيد، يتمثل في التوسع بمنح الإعفاءات والحوافز لاستخدام الطاقة المتجددة، لأن الوقت الحالي هو الأنسب لاتخاذ هذا المسار قبل أن تتفاقم الكلف أكثر.
ما أنجزه الأردن لا يمكن اعتباره محدوداً. فعلى صعيد القطاع العام، جرى تركيب أنظمة طاقة شمسية في 630 مكان عبادة و20 مبنى حكومياً، وامتد هذا التحول إلى الخدمات الأساسية، إذ استفاد منه 33 مركزاً صحياً و135 مدرسة، فهذه الأرقام تعني أن البنية التحتية للتحول موجودة، وليست فكرة قيد التجربة.
غير أن التوسع لم يقتصر على القطاع العام، بل امتد إلى الاقتصاد الحقيقي، فدخول 240 مزرعة و201 مصنع صغير ومتوسط و12 فندقاً في برامج تدقيق الطاقة يؤكد أن القطاع الخاص بدأ يدرك أن كلفة الطاقة ليست قدراً ثابتاً.
والأهم أن النتائج كانت حاسمة؛ وفورات بين 30 و40% في معظم المصانع، تصل إلى 60% في بعض الحالات، وهي أرقام كفيلة بإعادة تعريف كلفة الإنتاج بالكامل.
صندوق تشجيع الطاقة وترشيد الاستهلاك يقف خلف هذا التحول كأداة عملية تربط السياسات بالتطبيق، ودوره لا يقتصر على التمويل، بل يمتد إلى تمكين المواطنين والقطاعات المختلفة من اتخاذ قرار اقتصادي ذكي، وكل مشروع يموله الصندوق لا يخفف فاتورة فردية فحسب، بل يساهم في تخفيف الضغط على الاقتصاد ككل، ويقلل من أثر تقلبات الأسعار العالمية.
النموذج الأوضح يظهر في دور العبادة، وعندما تعمل جميع المساجد والكنائس في العقبة بالطاقة المتجددة، وعندما يصل العدد إلى نحو 650 منشأة على مستوى المملكة، فنحن أمام نموذج جاهز للتعميم، وهذه ليست مشاريع تجريبية، إنما تطبيق فعلي قابل للتوسع السريع، خصوصاً أنها موزعة جغرافياً وتعكس قدرة الشبكة على استيعاب هذا التحول.
التحول على المستوى الأسري، المسار ذاته يتكرر، فالانتقال من 13% فقط كنسبة انتشار للسخانات الشمسية عام 2014 إلى أكثر من 70 ألف أسرة مستفيدة اليوم، منها 8 آلاف أسرة فقيرة حصلت على أنظمة مجانية، يعكس تحولاً تدريجياً في سلوك الاستهلاك، ومع هدف الوصول إلى 90 ألف سخان شمسي بحلول عام 2030، فإن الاتجاه واضح، والتحدي يكمن في تسريع الوصول إليه.
هذا يقود إلى نقطة أكثر وضوحاً: لا يمكن لاقتصاد أن يظل رهينة تقلبات أسعار الطاقة العالمية ثم يحاول تعويض ذلك فقط عبر تقليل الاستهلاك، والخيار الأكثر فاعلية هو تقليل الاعتماد على المصدر الخارجي للطاقة، وهو ما تثبته التجارب المحلية القائمة.
والرسالة الأوضح اليوم أن وقف السفر أو تقييد الإنفاق، رغم ضرورته، لا يكفي، والحل الحقيقي يكمن في توسيع قاعدة الإنتاج المحلي للطاقة، عبر قرارات جريئة تشمل إعفاءات ضريبية وجمركية أوسع، وتسهيلات تمويلية، وتسريع إجراءات الترخيص، بحيث تصبح الطاقة المتجددة الخيار الأسهل وليس البديل.
الخطأ الاستراتيجي أن نستمر في التعامل مع الطاقة كعبء يجب تخفيفه، بينما الواقع يؤكد أنها فرصة يجب استثمارها، والأردن يمتلك مورداً طبيعياً ثابتاً لا يتأثر بالحروب أو الأزمات، غير أن استغلال هذا المورد لا يزال دون المستوى المطلوب مقارنة بحجم الضغط الذي تفرضه كلف الطاقة المستوردة.
والخلاصة، الترشيد ضروري، والتحول هو الحل، والإجراءات الحكومية الحالية تشكل بداية صحيحة، بيد أنها يجب أن تقود إلى خطوة أعمق، وبين إدارة الكلفة وإعادة تعريفها، تكمن الفرصة الحقيقية للأردن في بناء اقتصاد أقل تعرضاً للصدمات وأكثر قدرة على الاستمرار.
الخطوة التالية ليست دراسة ولا تقريراً، بل قرار.