“على حافة المضيق وبين الزناد: حين يتقاطع النفط مع الكبرياء، ويصبح العالم معلّقًا على إصبعٍ قد ترتجف أو تشتعل”

الشعب نيوز:-

 

ليست الحرب بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية مجرد احتمالٍ عسكري عابر، بل هي معادلة معقّدة تتشابك فيها الجغرافيا بالعقيدة، والاقتصاد بالهيبة، والتاريخ بالمستقبل. في ظاهرها صراع نفوذ، وفي جوهرها اختبار لإرادة السيطرة على مفاصل العالم الحساسة، حيث لا تُقاس القوة بعدد الجنود فقط، بل بقدرة الدولة على إدارة التوتر دون أن تنفجر، وعلى الاقتراب من الهاوية دون السقوط فيها.
في قلب هذه المعادلة يقف مضيق هرمز، ذلك الشريان الضيق الذي يحمل في مياهه ما يقارب ثلث تجارة النفط العالمية. هنا، لا تمر السفن فقط، بل تمر حسابات الدول الكبرى، ومخاوف الأسواق، وتوازنات الطاقة. أي اضطراب في هذا المضيق لا يُعد حدثًا محليًا، بل زلزالًا اقتصاديًا عالميًا، قد يُربك أسعار النفط، ويعيد تشكيل أولويات الدول الصناعية، ويضع العالم أمام معادلة قاسية: الأمن مقابل الاستقرار الاقتصادي.
أما ما يُثار حول البواخر المسموح لها بالمرور وتلك التي تُقيَّد حركتها، فهو ليس قرارًا تقنيًا بقدر ما هو رسالة سياسية مغلّفة. فإيران تدرك أن ورقة الملاحة في هذا المضيق تمنحها قدرة ردع غير تقليدية، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى تأمين حرية الملاحة باعتبارها مبدأً استراتيجيًا لا يمكن التنازل عنه. وبين هذين الموقفين، تتحرك سفن العالم بحذر، كأنها تسير فوق خيطٍ مشدود بين الحرب والسلام.
وفي خلفية هذا المشهد، تدور المباحثات—المعلنة منها والخفية—كجزء من لعبة توازن دقيقة. فالحوار هنا ليس ضعفًا، بل أداة لإدارة الصراع، ومحاولة لتأجيل الانفجار أو إعادة تشكيل شروطه. كل جولة تفاوض تحمل في طياتها رسائل مزدوجة: تهدئة في العلن، وتصعيد محسوب في الخفاء. لأن الأطراف تدرك أن الحرب الشاملة ليست خيارًا سهلًا، وأن كلفتها قد تتجاوز حدود السيطرة.
استراتيجيًا، لا تسعى إيران إلى مواجهة تقليدية مباشرة، بل تعتمد على ما يمكن تسميته “الردع غير المتكافئ”: أدوات متعددة، مساحات نفوذ ممتدة، وقدرة على التأثير في أكثر من ساحة. في المقابل، تمتلك الولايات المتحدة تفوقًا عسكريًا واضحًا، لكنها تُدرك أن هذا التفوق لا يضمن حسمًا سريعًا في بيئة معقدة ومتشابكة، حيث تتحول كل نقطة اشتباك إلى عقدة يصعب فكّها.
سياسيًا، يُعاد رسم التحالفات في ضوء هذا التوتر. دول المنطقة تراقب بحذر، توازن بين مصالحها الأمنية والاقتصادية، وتحاول أن تبقى خارج دائرة الانفجار. فالحرب—إن وقعت—لن تبقى محصورة بين طرفين، بل ستمتد ارتداداتها إلى الإقليم بأكمله، وربما إلى ما هو أبعد من ذلك.
اقتصاديًا، يكفي أن يُغلق مضيق هرمز لساعات حتى ترتجف الأسواق، وترتفع الأسعار، وتدخل الدول في سباق تأمين الموارد. هنا، تتحول الطاقة إلى سلاح، والتجارة إلى رهينة، والاستقرار إلى حلم مؤجل. ولذلك، فإن الحفاظ على انسياب الملاحة ليس مجرد مسألة بحرية، بل ضرورة عالمية.
ومع ذلك، فإن ما يجري ليس فقط صراعًا على النفط أو النفوذ، بل هو صراع على شكل النظام الدولي نفسه. هل يبقى قائمًا على الهيمنة الأحادية، أم يتجه نحو تعددية تفرضها قوى إقليمية صاعدة؟ هذا السؤال هو ما يجعل كل تحرك، مهما بدا صغيرًا، جزءًا من لوحة أكبر تُرسم ببطء.
وفي خضم هذا التعقيد، تبقى الحقيقة الأكثر وضوحًا: أن الحرب، مهما بدت خيارًا مطروحًا، ليست قرارًا بسيطًا. إنها سلسلة من التداعيات التي لا يمكن التنبؤ بنهايتها، وقد تفتح أبوابًا يصعب إغلاقها. لذلك، فإن التوتر القائم اليوم هو في حد ذاته توازن هش، يُدار بحذر شديد، لأن الجميع يدرك أن الانفجار—إن حدث—لن يكون في مصلحة أحد.
وفي النهاية، تبقى المنطقة معلّقة بين احتمالين: انفراج يُعيد ترتيب الأوراق دون دماء، أو انزلاق يفتح فصولًا جديدة من الصراع. وبين هذا وذاك، يظل مضيق هرمز شاهدًا صامتًا على لعبة الأمم، حيث تمر السفن، لكن القلق لا يمر.
وأقول أنا:
“ليست القوة في إشعال الحرب، بل في القدرة على إبقائها احتمالًا لا يتحقق؛ فالعاقل من يدير الصراع، لا من يتركه يديره.”

بقلمي 🖋️ د. عمّار محمد الرجوب

قد يعجبك ايضا