في زمن “الهبد الإعلامي”… من بقي اعلاميا و صحفياً فعلاً؟دكتور خلدون نصير

الشعب نيوز:-

 

في وقتٍ لم يكن فيه أحد يحلم بامتلاك منبر عام، أصبح اليوم كل شخص يحمل هاتفاً قادراً على الوصول إلى آلاف الناس خلال دقائق. هذا التحول لم يكن شراً بحد ذاته، بل كان تطوراً طبيعياً في أدوات التواصل والتعبير. لكن المشكلة بدأت حين اختلطت حرية التعبير بفوضى المعلومات، وتحول الرأي الشخصي إلى “خبر”، والانفعال إلى “تحليل”، والصراخ إلى “حقيقة”.

اليوم، لم يعد السؤال: من يملك منصة؟
بل: من يملك المسؤولية؟

منصات التواصل الاجتماعي منحت الجميع صوتاً، لكنها في المقابل أسقطت الحواجز بين المعرفة والادعاء، وبين المعلومة والشائعة، وبين الصحفي الحقيقي ومن يعتقد أن امتلاك حساب وصفحة ومجموعة متابعين يجعله إعلامياً.

وهكذا، أصبحنا نعيش في زمنٍ يسبق فيه “الترند” الحقيقة، وتنتشر فيه المعلومة الخاطئة أسرع من تصحيحها.

الفرق ليس في الأداة… بل في الضمير المهني

الصحافة لم تكن يوماً مجرد عملية نشر.
هي مسؤولية قبل أن تكون مهنة، ووظيفة اجتماعية قبل أن تكون وسيلة شهرة.

فالصحفي الحقيقي يعمل ضمن منظومة واضحة:

– يتحقق من المعلومة
– يستمع لكل الأطراف
– يفرّق بين الرأي والخبر
– ويعرف أن اسمه ومؤسسته يتحملان مسؤولية كل كلمة تُنشر

هذا لا يعني أن الإعلام المهني معصوم من الخطأ، فالأخطاء والانحيازات موجودة في كل مكان. لكن الفارق الجوهري أن الإعلام المهني يملك ما تفتقده الفوضى الرقمية: المحاسبة.

هناك تصحيح، واعتذار، ومسؤولية قانونية، وسمعة مؤسسية قد تُبنى لسنوات وتنهار بسبب خبر واحد غير دقيق.

أما في عالم السوشال ميديا، فمن يحاسب؟

منشور واحد قد يشوّه سمعة إنسان، أو يخلق فتنة، أو يضلل آلاف الناس خلال ساعات، ثم يُحذف ببساطة وكأن شيئاً لم يكن.

المشكلة أن “الخوارزمية” لا تحب الحقيقة

الأخطر من الأخبار الكاذبة نفسها، أن هذه المنصات لا تكافئ الدقة، بل تكافئ الإثارة.

المنشور المتزن والمدروس غالباً ما يحصل على تفاعل أقل من المنشور الصاخب والمستفز. وكلما كان المحتوى أكثر غضباً أو تخويفاً أو إثارة للجدل، زادت فرص انتشاره.

وهكذا، تصبح الخوارزمية هي “رئيس التحرير” الحقيقي، لا الضمير المهني.

ولذلك لم تعد الحقيقة هي ما ينتصر دائماً… بل ما يحقق مشاهدات أعلى.

رأي عام يُصنع بالهرف

حين يتحدث شخص لا يملك أي معرفة طبية في قرارات صحية حساسة، أو يحلل آخر لا يفهم في الاقتصاد قرارات مالية معقدة، أو يصدر ثالث أحكاماً قانونية بناءً على مقطع مجتزأ شاهده في “ريلز”، فنحن لا نتحدث عن حرية تعبير فقط، بل عن صناعة وعي زائف.

المشكلة لم تعد في وجود الجهل، بل في تحوله إلى محتوى جماهيري واسع التأثير.

والأخطر أن كثيراً من الناس باتوا يثقون بما يشاهدونه في فيديو قصير أكثر مما يثقون بتحقيق صحفي مهني، ليس لأن الأول أكثر دقة، بل لأنه أكثر إثارة وأسرع وصولاً للمشاعر.

لكن المشاعر لا تصنع حقيقة… والانتشار السريع لا يعني الصواب.

الإعلام الحقيقي ليس “ستوري”

الصحافة الحقيقية لم تكن يوماً مجرد نقل معلومة، بل كانت حماية للمجتمع من التضليل، ومراقبة للسلطة، وتوثيقاً للأحداث، وبناءً لوعي عام متوازن.

وهذه الوظيفة لا يؤديها شخص يبحث عن التفاعل، بل إعلام يعرف أن الكلمة مسؤولية.

لسنا ضد السوشال ميديا، ولا ضد حق الناس في التعبير، فهذه المنصات أصبحت جزءاً أساسياً من الحياة الحديثة، ولها دور مهم في إيصال الصوت وكشف كثير من القضايا.

لكن المشكلة تبدأ حين يختفي الفرق بين الصحفي الحقيقي وبين أي شخص يملك هاتفاً وحساباً وعدداً من المتابعين.

فليس كل من يملك جمهوراً يملك وعياً…
وليس كل من يرفع هاتفه يستحق أن يُسمّى إعلامياً.

لأن الحقيقة لا تحتاج فقط من ينشرها…
بل من يفهم خطورة نشرها.

قد يعجبك ايضا