فراشات في الغبار.. سعيد ذياب سليم

الشعب نيوز:-

كانت الشمس قد سقطت تحت الأفق، وانتشر في الأجواء لون المساء الرمادي، عندما جفلتُ على صرخة زوجتي وهي تغسل أواني المطبخ. كان المجلى بجوار النافذة المطلة على الشارع.
أسرعت إليها، فأشارت بيدها إلى التقاطع القريب، تروي وهي تلتقط أنفاسها ما حدث.
كان طفلٌ ملقى على الأرض، فيما كان سائق السيارة التي صدمت دراجته يصرخ عليه بعبارة نابية. لم يتوقف طويلًا، ثم مضى في طريقه.
نهض الطفل متثاقلًا، لا يكاد يضع ثقله على إحدى قدميه. حمل دراجته التي أصبحت قطعتين، ومضى نحو بيته. سار بصمت، ولم نكن نستطيع أن نرى الدموع في عينيه.
سكتت أصوات المساء لبرهة، ثم عادت الحياة إلى ما كانت عليه؛ راحت الطيور تستقبل الليل بأغانيها، والأطفال يركضون من جانب إلى آخر يتقاذفون ما تقع عليه أيديهم، والكبار يصرخون بهم تارة ويتجنبون مقذوفاتهم تارة أخرى، والسيارات تطلق أبواقها، والصيف يرنو من نوافذه مبتسمًا كأن شيئاً لم يكن.
فما أجملك أيها الصيف، وما أروع سن الطفولة حين تُدهس تحت العجلات وتمضي مكسورة الجناح بصمت!
عدت إلى مقعدي، وقد أيقظت الحادثة مذاق طفولتي اللاذع، وأثارت في صدري حنينًا قديمًا لأيامٍ كنا نداوي فيها كسورنا بالصمت أيضاً.
تذكرت يوم قررت أن أصبح تاجرًا صغيرًا. حملت علبة كرتونية وضع فيها أخي الأكبر أنواعًا من الحلوى والبسكويت، ثم وقفت في زاوية من سوق شعبي.
كان حولي باعة ينادون على بضائع شتى؛ مأكولات وملابس وإكسسوارات. أما الأطفال الذين يجوبون السوق فكان حال كثير منهم يشبه حالنا، بل أن كثير منهم يعرض شيئا للبيع، ومنهم من يبحث عن فرصة يغفل فيها أحد الباعة عن بضاعته، ومنهم من يحمل قروشًا قليلة يبحث بها عن متعة أكبر من قطعة حلوى.
لم يقصدني إلا عدد قليل من الزبائن، إلى أن اكتشفوا صنفًا من بضاعتي يمكن أن يربحهم قرشًا بطريقة تشبه اليانصيب.
كان داخل غلاف إحدى قطع البسكويت عبارة: «تربح قرشًا». وسرعان ما تعلمت أن أجمع الأغلفة الرابحة وأعيد استخدامها لأنفق بضاعتي. يومها لم أبع إلا ذلك الصنف، لكنني تعلمت درسًا مبكرًا: التجارة تحتاج إلى الصبر، ولم تكن تلك من صفاتي آنذاك.
وفي صيف آخر عرض علي أحد الأصدقاء أن نؤسس شركة صغيرة. جمع كل منا مصروفه، واشترينا «سحبة بلالين»؛ وهي لوحة تحمل بالونات مرقمة بأحجام مختلفة، يختار الطفل رقمًا مخفيًا فيفوز بالبالون المقابل له.
وكان أكبر البالونات جائزتها الكبرى. وبعد شيء من المراقبة والذكاء، استطاع صديقي أن يهتدي إلى رقمها، فاحتفظنا بها حتى نفدت بقية البالونات وقد بلغ بنا الملل مبلغا فاتفقنا على فض الشركة وتقاسم الأرباح.
وكنت أظن أننا نلعب، وقد أدركت لاحقًا أننا كنا نتعلم كيف نخسر بهدوء.
لم تكن طفولتنا جميلة ولا سهلة، فمن أين يأتي هذا الحنين الذي يجعل الصدأ يلمع في عيوننا كالذهب؟
وحين اشتدت أعوادنا قليلًا، دخلنا ورشات البناء. كنا ننقل الرمل والحصى، ونحمل الحجارة، ونرفع الباطون على أكتافنا، نقلد الرجال من حولنا ونكتم أوجاعنا.
لم نكن نعرف النوادي الصيفية ولا دروس الموسيقى أو السباحة. كنا نلتقي بالأصدقاء، نجوب الشوارع حتى نتعب، ثم نواصل السهر والحلم بالفتيات الجميلات اللواتي كنّ يطللن علينا من أعالٍ لا نبلغها.
أما الفراشات، فكانت تحلق في حقول بعيدة، يطاردها فتيان سيكبرون يومًا ويكتبون عنها القصائد.
وحين يفعلون، لن يكتبوا كثيرًا عن الغبار العالق في ثيابهم، ولا عن الحجارة التي حملوها، ولا عن القروش القليلة التي سعوا وراءها. سيكتبون عن الفراشات ويتحدثون عن حبيبات جميلات لم يكنَّ موجودات إلا في خيالاتهم.
أليس من حقنا إذن أن يخالجنا الحنين إلى تلك الطفولة؟
لكنني ألوذ بالصمت عندما يبدأ حفيدي ذكر المهارات الجديدة التي تعلمها في حوض السباحة الخاص بأعمارهم، وعند وصف الحوض الآخر المخصص للكبار، يصف سباقاتهم وتحدياتهم في الغوص، ونفاد صبره في انتظار أن ينتقل إلى ذلك الحوض.
ألوذ بالصمت، وأنا أتساءل: أيّ طفولتين كانت أكثر حوزة على الحلم؛ طفولتنا أم طفولته؟

 

قد يعجبك ايضا