الرؤية الملكية وهندسة الدولة د. حازم قشوع

الشعب نيوز:-

 

في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس قوة الدول بما تمتلكه من أدوات تقليدية، بل بقدرتها على إعادة تعريف ذاتها من الداخل. والأردن، وهو يواجه تحديات إقليمية متشابكة وضغوطًا متسارعة، يقف اليوم أمام استحقاق يتجاوز منطق التكيف إلى ضرورة إعادة التأسيس. وهنا، تتقدم الرؤية الملكية بوصفها إطارًا استراتيجيًا لا يكتفي بتشخيص الواقع، بل يسعى إلى هندسة الدولة ذاتها، عبر إعادة بناء بيت القرار على أسس العلم والكفاءة والتكامل.

ومن هذا المنطلق، لم يعد الإصلاح خيارًا مرحليًا، بل مسارًا وجوديًا يعيد صياغة علاقة الدولة بمؤسساتها، ويمنح القرار العام قدرة أعلى على المبادرة والتأثير. فحين تبلغ الدول لحظة المراجعة العميقة، فإنها لا تكتفي بإعادة قراءة واقعها، بل تتجه نحو إعادة تشكيل أدواتها التي تصوغ هذا الواقع. إذ إن الأزمات، مهما تعاظمت، ليست سوى انعكاس لاختلال أعمق في بنية التفكير وآليات صناعة القرار، الأمر الذي يستدعي الانتقال من منطق المعالجة إلى منطق البناء، ومن ردّ الفعل إلى الفعل المؤسس.

وفي السياق الأردني، تتقاطع هذه الحاجة مع مضامين الرؤية الملكية التي أكدت مرارًا أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من تحديث بنية الدولة، وتطوير أدواتها، والارتقاء بمنهجية اتخاذ القرار فيها. فالرؤية الملكية، في جوهرها، لا تقدم حلولًا مرحلية بقدر ما تؤسس لمسار استراتيجي يعيد تعريف العلاقة بين الدولة ومؤسساتها، وبين القرار ونتائجه.

وفي هذا الإطار، جاءت اللقاءات النخبوية التي جمعت قيادات سياسية وفكرية وإدارية ضمن مؤتمر السياسات الدولية، لا بوصفها محطة نقاش عابر، بل كمسار بحث جاد لإعادة هندسة الأطر الناظمة لبيت القرار في الدول النامية، مستندة إلى أدوات التحليل البنائي التي تقوم عليها فلسفة الهندسة السياسية، وهي المقاربة التي أتناولها تفصيلًا في كتابي المرتقب “وطن النجوم والهندسة السياسية”.

وقد أفضت هذه اللقاءات، بما حملته من خبرات متراكمة ونقاشات معمّقة، إلى قناعة راسخة مفادها أن إصلاح منظومة القرار لا يمكن أن يتحقق عبر أدوات تقليدية، بل يتطلب إطارًا مؤسسيًا جديدًا يعيد بناء العلاقة بين الفكرة والتشريع والتنفيذ ضمن منظومة متكاملة. وعليه، تبلورت توصية مركزية بتشكيل “الهيئة الأردنية للحوكمة الرشيدة” (Good Governance Authority)، لتتولى مهمة إعادة هندسة القرار العام، بحيث لا يبقى القرار فعلًا معزولًا، بل مسارًا متكاملًا يُصاغ بوعي، ويُشرّع باتساق، ويُنفّذ بكفاءة.

وفي مرحلة ما قبل التشريع، يُناط بهذه الهيئة دور التأسيس الحقيقي للقرار، عبر إخضاع الأفكار المطروحة لتحليل معمّق يدرس جدواها ويقيس أثرها، ضمن بيئة تشاركية تستوعب الخبرات وتستند إلى المعرفة، بما يضمن نضج القرار قبل انتقاله إلى مرحلة التشريع. أما في مرحلة التشريع، فيتجلى دورها في ضمان جودة النص القانوني، ليس فقط من حيث الصياغة، بل من حيث قابليته للتطبيق وانسجامه مع المنظومة العامة، بحيث يتحول التشريع إلى أداة فاعلة للحكم الرشيد، لا مجرد إطار شكلي.

وفي مرحلة التنفيذ، تمتد مسؤولية الهيئة إلى الرقابة والتقييم المستمر، عبر مؤشرات أداء دقيقة وبرامج عمل واضحة، تضمن تحويل السياسات إلى نتائج ملموسة، وتجعل من المتابعة جزءًا أصيلًا من بنية القرار، لا إجراءً لاحقًا عليه. كما تؤكد هذه المقاربة على أهمية التكامل المؤسسي من خلال بناء بنية معلوماتية مشتركة، وتفعيل قنوات الاتصال بين المؤسسات، بما يعزز وحدة القرار ويحدّ من الازدواجية والتضارب، وهو ما يشكل أحد مرتكزات الدولة الحديثة كما تعكسها الرؤية الملكية.

وفي خلاصة هذه الرؤية، يتضح أن جوهر الإصلاح لا يكمن في إنشاء هيئة جديدة فحسب، بل في إرساء ثقافة حوكمة متجددة تعيد تشكيل الذهنية الإدارية على أسس الشفافية والمساءلة والكفاءة، بما يحرر بيت القرار من حالة التحفظ والجمود التي فرضتها ضغوط الواقع وتداعياته. فالهندسة السياسية ليست تنظيرًا مجردًا، بل أداة عملية لإعادة بناء الدولة من داخلها، وتحويل القرار من استجابة ظرفية إلى صناعة مستدامة للمستقبل.

وهنا، تبرز الحالة الأردنية بوصفها مؤهلة للانتقال إلى هذه المرحلة، في ظل انسجام هذه المقاربة مع التوجيهات الملكية الداعية إلى التحديث السياسي والإداري والاقتصادي. الأمر الذي يفتح الباب أمام تساؤل مشروع: هل آن الأوان لتأسيس “الهيئة الأردنية للحوكمة الرشيدة” بوصفها الضابطة المرجعية لمنهجية القرار؟

إن الإجابة عن هذا التساؤل تظل رهناً بإرادة وطنية تتبنى برنامجًا متكاملًا لإعادة بناء الهيكل الإداري وبيت القرار، وتفعيل أدوات الاقتصاد الإنتاجي، بما يعزز الاعتماد على الموارد الذاتية، ويحدّ من تأثير الضغوط الإقليمية التي ما تزال تلقي بظلالها على منطقة شرق المتوسط.

في المحصلة، لا يمكن للرؤية الملكية أن تبلغ مداها الكامل ما لم تُترجم إلى بنية مؤسسية قادرة على حملها وتحويلها إلى سياسات قابلة للتنفيذ والاستدامة. فهندسة الدولة ليست شعارًا، بل عملية تراكمية تتطلب جرأة في إعادة البناء، ووضوحًا في توزيع الأدوار، وحسمًا في ضبط إيقاع القرار.
إن الأردن، وهو يستند إلى رؤية ملكية واضحة المعالم، يمتلك فرصة حقيقية لإعادة صياغة نموذجه المؤسسي، بما يخرجه من دائرة الاستجابة إلى فضاء المبادرة. فإما أن تُستثمر هذه اللحظة لإعادة هندسة بيت القرار وفق منطق الدولة الحديثة، أو تبقى الأدوات أسيرة السياقات ذاتها التي أنتجت الأزمات.
وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال: هل نُصلح؟ بل: هل نمتلك الجرأة لنُعيد البناء؟

وفي ضوء التحولات التي شهدتها المنطقة، وما رافقها من ضبابية في قراءة المشهد وتعقيد في فهم مساراته، أثبتت الدولة الأردنية صلابة في قدرتها على الاجتياز، مستندة إلى قراءة حصيفة لطبيعة المتغيرات، وإلى إرادة مقرونة برؤية واضحة. وهي ذات الإرادة التي يمكن أن تجعل من الأردن واحة للإنجاز كما هو واحة للأمان.

قد يعجبك ايضا