*تحرير العقبة… عندما كتب الأردنيون أولى صفحات دولتهم*

الشعب نيوز:-

 

بقلم : الشيخ علي الأحيوات أبو محسن
العقبة مدينة كتبت التاريخ قبل آلاف السنين، ثم عادت لتكتبه من جديد في السادس من تموز عام 1917، حين أصبحت نقطة التحول التي غيرت مسار الثورة العربية الكبرى، وأسهمت في رسم ملامح الدولة الأردنية الحديثة لا بل الامة العربية في قارة اسيا.

وللأسف، فإننا نحن الأردنيين لم ننصف العقبة كما تستحق، ولم نسوق للعالم تاريخها الاستثنائي، بينما تتفاخر دول بمدن لا يتجاوز عمرها بضع مئات من السنين، في حين تمتلك العقبة إرثا حضاريا وإنسانيا يمتد لآلاف السنين، جعلها محط أنظار الإمبراطوريات، ومفتاحا للتجارة العالمية، وبوابة تربط الشرق بالغرب.

فالعقبة، التي عرفت قديما باسم (أيلة)، كانت عبر التاريخ نقطة الالتقاء بين آسيا وإفريقيا، وبين الجزيرة العربية وبلاد الشام ومصر، وميناء يربط البحر الأحمر بطرق التجارة البرية، ولذلك تنافست عليها القوى الكبرى في كل الحقب وجيلا بعد جيل.

سكنها الأدوميون، وازدهرت في عهد الأنباط الذين جعلوا منها إحدى محطات تجارتهم العالمية، ثم أصبحت جزءا من الإمبراطورية الرومانية، وبعدها البيزنطية، فيما تؤكد الدراسات الأثرية أن منطقة العقبة ووادي عربة كانت معبرا للهجرات البشرية والجيوش منذ عصور سحيقة، ويربط عدد من الباحثين مرور الهكسوس عبر هذه المنطقة في طريقهم بين مصر وبلاد الشام.

ولأن العقبة كانت وما زالت مفتاح البحر الأحمر، فقد أدركت كل الحضارات أن من يسيطر عليها يملك بوابة التجارة والاتصال مع العالم، ولهذا بقيت عبر التاريخ هدفا استراتيجيا لا غنى عنه.

وفي صدر الإسلام، تجلت مكانة العقبة بصورة واضحة عندما وصل الرسول محمد صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، فبعث إليه يوحنا بن رؤبة، حاكم أيلة، طالبا الصلح، فمنحه النبي عليه الصلاة والسلام كتاب الأمان الشهير، الذي ضمن لأهل أيلة أمنهم وتجارتهم وحرية ملاحتهم، فكان ذلك اعترافا بالمكانة السياسية والاقتصادية التي كانت تتمتع بها العقبة، بوصفها إحدى أهم بوابات الجزيرة العربية على العالم.

وظلت العقبة عبر القرون محطة للقوافل والحجاج والتجار والجيوش، حتى جاء عام 1917، لتعود إلى صدارة الأحداث العالمية، ففي السادس من تموز عام 1917، قاد الشريف ناصر بن علي قوات الثورة العربية الكبرى في واحدة من أعظم العمليات العسكرية في الحرب العالمية الأولى، وكان إلى جانبه الشيخ عودة أبو تايه وشيوخ وفرسان الحويطات، الذين خاضوا مسيرة أسطورية عبر الصحراء ووادي اليتم، ملتفين على الدفاعات العثمانية التي كانت تتوقع أي هجوم من جهة البحر، ولم تكن تتخيل أن يأتيها من قلب الصحراء.

وقبل وصول قوات الثورة، جرى التواصل والتنسيق مع شيوخ قبيلة الاحيوات ، الذين كانو يتمركزون في مدينة العقبه للهجوم ومباغتت العدو صباح يوم 6 تموز 1917حيث التقوا في منطقة الخضرا على بوابة وادي اليتم ، وقتحموا مدينة العقبة حيث إنظم لهم أبناء العشاير العوائل العقباوبه وحرروها وذهبت الحامية العثمانية بين قتيل وأسير ، في موقف وطني يجب أن يحفظه التاريخ، لأنه يؤكد أن تحرير العقبة كان ثمرة تعاون بين قوات الثورة وا أبناء القبائل والعوائل الأردنية

وخاضت قوات الثورة معارك عنيفة في محيط العقبة، خاصة في المنطقة الشمالية الغربية، وانتهت بسقوط الحامية العثمانية، ورفع راية الثورة العربية فوق المدينة، في انتصار غير مسار الحرب العالمية الاولى في المنطقة.

وبتحرير العقبة، فقدت الدولة العثمانية، ومعها دول المحور، أحد أهم موانئها الاستراتيجية على البحر الأحمر، وانقطعت خطوط إمدادها في جنوب بلاد الشام، بينما أصبحت العقبة ميناء الثورة العربية، تتدفق عبره الأسلحة والذخائر والمؤن القادمة بحرا، وهو ما منح قوات الثورة القدرة على مواصلة تقدمها شمالا.

ولذلك، لم يكن من المبالغة أن يعتبر كثير من المؤرخين تحرير العقبة أحد أهم المنعطفات العسكرية في الحرب العالمية الأولى في المشرق، لأنه أدى إلى انهيار متتابع للحاميات العثمانية في معان والشوبك والطفيلة وغيرها، وسهل تقدم قوات الثورة العربية وأبناء العشائر الأردنية نحو تحرير بقية الأراضي الأردنية، ثم مواصلة المسير إلى دمشق.

لقد كان للشريف ناصر بن علي دور القيادة العسكرية، وكان للشيخ عودة أبو تايه وفرسان الحويطات والاحيوات دور البطولة في الميدان، الى جانب أبناء العقبة وعائلاتها الشجاعة في الوقوف إلى جانب الثورة، فاجتمع الجميع على هدف واحد، هو تحرير العقبة وفتح الطريق نحو المستقبل.

ومن هنا بدأت السردية الوطنية الأردنية تأخذ شكلها الحقيقي، فمن العقبة انفتح الأردن على العالم، ومنها بدأت أولى صفحات الدولة الحديثة، ولذلك كانت العقبة البوابة التي عبر منها الأردن إلى التاريخ الحديث.

واليوم، وبعد أكثر من قرن على ذلك الانتصار، لا تزال العقبة تؤدي الدور نفسه، فهي المنفذ البحري الوحيد للأردن، ورئته الاقتصادية، وعاصمته البحرية، وجسره نحو العالم.
أرى انه آن الأوان لأن نعيد كتابة قصة العقبة كما تستحق، وأن نقدمها للأجيال وللعالم بوصفها مدينة الحضارات، ومدينة الرسالات، ومدينة الثورة العربية الكبرى، وبوابة الدولة الأردنية.

فالعقبة تاريخ وطن، وحكاية أمة، وبداية الأردن الحديث

قد يعجبك ايضا