
رواية «ستائر العتمة»: إرادة تهزم الشك قراءة بقلم سعيد الصالحي
الشعب نيوز:-
ليست «ستائر العتمة» للروائي الفلسطيني وليد الهودلي، التي كتب جزءًا كبيرًا منها داخل السجن، رواية عن السجن بقدر ما هي رواية عن إرادة تواجه الشك. وربما لهذا السبب بدت لي مختلفة؛ فهي لا تبدأ بردة فعل على الاحتلال، وإنما تبدأ بالفعل نفسه، ثم تترك للقارئ أن يتابع ما يجره هذا الفعل من أثمان ومعاناة.
صدرت الرواية عام 2003، بينما أعادت سلطات الكيان الصهيوني اعتقال مؤلفها مؤخرًا، وكأن القدر يعيد الكاتب إلى المكان الذي خرجت منه تجربته الأولى. وفي هذا ما يمنح الرواية اليوم بعدًا إضافيًا، ويجعلها أكثر من مجرد عمل أدبي يوثق مرحلة مضت.
تبدأ الرواية بتنفيذ أبطالها عملية ضد سيارة تقل مستوطنين. ورغم أن الصفحات الأولى لا تحسم نتيجتها بشكل قاطع، فإن ذلك لا ينتقص من أثرها؛ فالفعل ذاته هو الذي يحرك الرواية، أما بقية الصفحات فتمضي في رصد ما يترتب عليه من تحقيق وتعذيب ومواجهة وصراع داخلي.
ومنذ الصفحات الأولى تقفز النزعة الإيمانية أمام القارئ من خلال الاستخدام الطبيعي لآيات القرآن والأدعية. وقد وجدتها منسجمة تمامًا مع سياق الرواية، ومع ثقافة المجتمع الفلسطيني المرتبطة بالدين، خصوصًا في العقود التي أعقبت النكبة. ولم أشعر يومًا أن هذا الحضور يوجه القارئ نحو أيديولوجيا بعينها، لأن الإنسان، أيًّا كان دينه، يلجأ إلى الله عندما تضيق به الحياة، كلٌّ بما تعلمه في قرآنه أو إنجيله. ولأن أبطال الرواية مسلمون، فقد كان من الطبيعي أن تحضر الثقافة الإسلامية في كثير من صفحاتها.
ومن الجوانب التي لفتت انتباهي أيضًا كثرة استخدام الأمثال الشعبية والعبارات الموروثة في البيئة الفلسطينية. ولم يكن هذا الاستخدام مجرد تزيين للنص، بل بدا وكأنه محاولة واعية للحفاظ على الذاكرة الشعبية وتوثيقها، وكأن الرواية تقاوم محاولات اقتلاع الإنسان الفلسطيني من أرضه ومن لغته ومن موروثه في آن واحد.
ومما أسعدني أثناء القراءة أنها أضافت لي، وأنا القارئ الذي يعيش بعيدًا عن فلسطين، معلومات لم أكن أعرفها عن الداخل الفلسطيني، مثل أسماء المناطق الإدارية، وأسماء السجون، والفروق بينها وبين المعتقلات، إضافة إلى بعض آليات القوانين التي تطبقها سلطات الاحتلال بحق الأسرى والمعتقلين. وهذه التفاصيل منحت الرواية قيمة معرفية إلى جانب قيمتها الأدبية.
وأعجبت كيف يستطيع بطل الرواية “عامر” أن يحول كل مكان يسجن فيه إلى حضرة ذكر منفردة، تسمو خلالها روحه فوق الوحدة والظلم والألم، وتحلق في سماء فلسطين كلها، لا في بيرزيت وحدها. فهو لم يدخل السجن دفاعًا عن قريته أو مدينته فحسب، بل دفاعًا عن مبادئه وقناعاته، وكانت فلسطين التاريخية جزءًا أصيلًا من تلك القناعات. ولعل هذا ما يفسر إصرار الراوي على تقديم بطله في صورة المثقف، المستدعي للتاريخ والثقافة في أشد لحظات العزلة، وكأنه يحاول أن يهزم السجن بالمعرفة كما يهزمه بالإيمان.
وفي تقديري، فإن الفكرة الأعمق في الرواية هي أن الإرادة رياضة نفسية وذهنية قبل أن تكون مجرد قدرة على الاحتمال. فالشك يتسلل إلى الزنازين، ويهاجم الأسرى بضراوة، ويتعامل معه كل واحد منهم بحسب خبرته وثقافته وصلابة إيمانه. والشك هنا ليس خصمًا ضعيفًا، بل قوة تحاول أن تهزم الإنسان من داخله، غير أنها تعجز عن الانتصار عندما تصطدم بإيمان راسخ وإرادة لا تستسلم.
وقد وصف بعض القراء هذه الرواية بأنها دليل عملي للمعتقلين، وأنا لا أزيد على ذلك إلا اقتراحًا واحدًا، وهو أن تُدرَّس بعض فصولها في المدارس الفلسطينية، لأن كل فلسطيني قد يجد نفسه، في أي لحظة، داخل تجربة الاعتقال، بسبب أو من دون سبب.
وفي النهاية، تقول «ستائر العتمة» بإيمان لا يتزعزع إن الفلسطيني لا ولن يتوقف عن الإبداع، مهما طال ليل السجن، ومهما امتدت سنوات الاحتلال. واليوم، بعد إعادة اعتقال وليد الهودلي، أتمنى أن يستحضر وليد الهودلي ما كتبه يومًا، وأن يهزم السجن بإرادته كما هزمه من قبل مرات عديدة.