
منطوق الأردن وأتلانتس النووية د. حازم قشوع
الشعب نيوز:-
لم تعد أتلانتس مجرد سردية أفلاطونية تُدرَّس في كتب الفلسفة، ولا خيالًا نظريًا رفضه أرسطو بوصفه خارج منطق العقل؛ بل غدت اليوم نموذجًا حيًّا يُعاد إنتاجه بأسماء دول، وبترسانات نووية، وبخرائط نفوذ تُرسم على وقع صراع الإرادات الكبرى، تمامًا كما وصفها أفلاطون في كتابٍ خُطَّ قديمًا بحبرٍ يبدو حديثًا.
لقد قدّم أفلاطون وصفًا لمدينة بلغت ذروة الهندسة والتنظيم والقوة، قبل أن تغرق في لحظة واحدة؛ حاملةً معها معاني غامضة وأسرارًا عميقة. وهذا الوصف لم يعد بعيدًا عن واقعٍ تتقاطع فيه مشاريع الهيمنة بين الولايات المتحدة وروسيا والصين؛ حيث يُدار العالم بمنطق التفوق التقني، لا بمنطق التوازن القيمي. فواشنطن، التي تقود النظام الدولي، تُراكم أدوات الردع النووي، وتدير تحالفاتها بمنطق الاحتواء؛ فيما تعيد موسكو إنتاج عقيدة القوة الصلبة، وتندفع بكين نحو بناء منظومة سيطرة اقتصادية–تكنولوجية تعيد تشكيل موازين العالم. الأمر الذي يجعل رمزية أتلانتس تعيد تشكيل ذاتها في عصرٍ باتت سمته “الهندسة المعرفية”.
غير أن “أتلانتس المعاصرة” لا تتوقف عند حدود القوى الكبرى؛ بل تمتد إلى الشرق الأوسط، حيث تتكثف أخطر تجليات “العلوم الغائرة”. فإسرائيل، بوصفها قوة نووية غير معلنة، تمارس تفوقًا استراتيجيًا قائمًا على الغموض؛ فيما تسعى إيران إلى تثبيت معادلة الردع النووي كمدخل لإعادة رسم الإقليم. وفي المقابل، تتحرك الأردن ضمن مقاربة قائمة على حفظ التوازن، عبر مسار سياسي وأمني وعسكري متزن؛ خاصة في ظل تراجع فعالية المظلات التقليدية لحماية القواعد الأمريكية في الخليج، وبروز الأردن بوصفه مركز ارتكاز إقليميًا يتقاطع مع مفاهيم “ناتو المنطقة”، بما يضعه في قلب معادلة التوازن الجديدة.
ووسط هذا المشهد، لا تبدو أتلانتس قصة غرق جغرافي؛ بل نموذج غرق سياسي–حضاري، حيث تتحول المعرفة إلى أداة تفكيك، بدل أن تكون وسيلة بناء. ومع تصاعد سباق التسلح، وبرامج تطوير الذكاء الاصطناعي العسكري، والاندفاع نحو عسكرة الفضاء، يُعاد إنتاج اللحظة الأتلانتسية ذاتها: لحظة فائض القوة التي تسبق الانهيار؛ إن لم يُستدرَك ما يمكن استدراكه قبل بلوغ نقطة اللاعودة.
أما الجزيرة الغائرة في الأطلسي، التي يعجز العلماء عن اختراق رمالها المتحركة، فلم تعد مجرد لغز جيولوجي؛ بل أصبحت رمزًا لذاكرة عالمية مطمورة، تُخفي في عمقها حقيقة مرعبة: أن الحضارات لا تسقط حين تضعف، بل حين تُفرِط في قوتها دون ضابط. وهذا ما يحذر منه الأردن، في مشهدٍ دولي بات يُدار دون كوابح رادعة أو قيم ضابطة؛ خصوصًا مع التطورات الميدانية في أوكرانيا، وما رافقها من اختلالات في حسابات الردع.
وكذلك مع احتمالات التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، التي قد تحمل في طياتها مفاجآت غير محسوبة. وقد بدا المشهد الإيراني متماسكًا نسبيًا، بدعم روسي–صيني؛ بالتوازي مع قنوات تفاوضية نشطة حول مضيق هرمز، بما في ذلك ترتيبات أمنية وملاحية يجري بحثها عبر وساطات إقليمية في مسقط العمانية، بتقديم نسبة 5% تُدفع لإيران نظير خدمات ملاحية. كما أن إعادة انتشار القوات الأمريكية، وإن وُصفت بالتكتيكية، إلا أن حجمها يضعها في دائرة التساؤل الاستراتيجي.
وعليه، فإن المشهد الدولي الراهن، من واشنطن إلى بكين، ومن موسكو إلى تل أبيب وطهران والخليج، يبدو وكأنه يسير على حافة “أتلانتس جديدة”؛ لا تغرق في البحر، بل في حسابات القوة المختلة. يرسل فيها أفلاطون رسالة إلى البنتاغون، يقول فيها: إذا كان أفلاطون قد حذّر من سقوط مدينة واحدة، فإن العالم اليوم يواجه احتمال سقوط منظومة كاملة، قد لا تترك وراءها سوى “علوم غائرة”، تُروى للأجيال القادمة كتحذيرٍ لم يُؤخذ على محمل الجد.
إن أتلانتس التي كان حجمها حجم أمريكا لم تختفِ؛ بل تغيّرت أسماؤها. وقد حملت حضارات المنطقة شواهدها، من الأنباط في البتراء، إلى رمزية المكان بشجرة الأيكة في معان، وصولًا إلى وادي رم، مدينة الفلك وعلوم النجوم التقديرية؛ وصولًا إلى عمون ومدينة سديم مآلاتها في البحر الميت، حتى جلعاد السلط التي كُتب على ظهرها الإنجيل؛ وصولًا إلى بحيرة طبريا، حيث مملكة طبرانيّوس الذي علّم علوم الأخدود ذات العلوم الغائرة، وهو من نسل هيرودوس؛ حيث مكاور مادبا، وإلى جنوبها كرك الحص وكنوزه الغائرة في جيوب قلعته المقدسية. وهي كلها نماذج غائرة، ذهبت علومها وبقيت آثارها شاهدة على التاريخ منذ كتابته.
ولقد وددت، عبر ذلك، أن يعلم الجميع أين يقف الأردن، وعلى ماذا يتكئ. أما قادته الهاشميون، فهم من نسل حامل الرسالة الذي أُرسل للرحمة وإفشاء السلام؛ ومن أجل المحافظة على القيم التي حملتها الأديان، لاستنباط علوم غائرة استقرت في حاضرة التقدير، بعنوان “حاضرة الحكمة”، حيث مقر ديوان رغدان.
وقد عُرف أهل هذه الأرض بقراءة التاريخ وعلوم الحكمة؛ وهو ما يقف عليه الأردن، وما زال يقدم اليوم نموذجًا في الاتزان والرؤية. وكأن حال لسانه يقول: إن عين الحكمة بيان الرأي… وها هو الأردن يسدي الرأي بفصيح بيان؛ فيما يشكّل صوت الملك عبد الله الثاني، في هذه اللحظة التاريخية، دلالة الطريق وعنوان البيان.