
رَشّةُ قِرفة.. سعيد ذياب سليم
الشعب نيوز:-
نشرت صورتها على صفحتها؛ تهمّ بوضع مكعبٍ من السكر في فمها، ناظرةً في عين الكاميرا، وتحتها تعليقٌ أزرق: «قليل من السكر لليوم المرّ يحسّن المزاج».
توالت النغمات في إيقاعٍ متلاحقٍ حادّ، يشبه أجراس ليلة الميلاد. بدت لها الردود متلألئة بالألوان والرموز والصور التعبيرية والتعليقات اللطيفة:
— جميلة
— Linda
— Bonita
— Dolce
— بتاخد العقل!
لكن ما فتنها أكثر كان تعليقٌ طريف:
— «احذري يا حلوة، فالمكعّب نفسه قد يذوب خجلاً في حضرة هذا الجمال!»
أحست بالدم يتدفق إلى وجنتيها، ونظرت حولها بخجل وابتسمت بحياء وهي تعيد قراءة التعليق مرة أخرى، ثم سارعت بالخروج من صفحتها خوفاً من أن يقفز خارجاً من شاشة الهاتف.
بين تلك الابتسامة الخجولة وحذرها المفاجئ، بدأ شيءٌ ما يتسلل إلى حياتها من وراء شاشة الهاتف… لا تزال المجتمعات الرقمية وعوالمها الافتراضية تأسرنا؛ ربما لما توفره من سهولة الوصول، أو لما تتيحه من أدوات تخفٍّ نتستر خلفها لنقدّم أفضل نسخةٍ مُفلترة عن أنفسنا. لكننا، وللأسف، كثيرًا ما نقع فريسةً في أيدي المحتالين. فهل تنقصنا المعرفة حقًا؟ أم أن في أعماقنا أزماتٍ وعقدًا نفسية يستغلها أصحاب الأغراض المبيّتة للإيقاع بنا؟
فتاتنا هذه تصنع الكعك الهش والبسكويت المنكّه بالقرفة والهيل والزنجبيل، وفي المناسبات الخاصة، تصنع المعمول وأصنافًا أخرى من الحلويات المنزلية، ثم تبيعها من خلال صفحتها «رَشّة قرفة» على إحدى المنصات الاجتماعية.
كعكات هشة بطعم الشوكولا أو النسكافيه، مزينة بقطع الفاكهة.
وبسكويت على شكل قلوب صغيرة، مغطاة بطبقة من الكريمة بنكهات متعددة.
لكنها اشتهرت خصوصًا بكعكة «السينامون»، ذات الطعم اللذيذ والحجم الصغير، التي تصلح كوجبة سريعة بجانب فنجان من القهوة.
وكأي فتاة عصرية مفعمة بالنشاط، لا تملّ من تزيين صفحتها بالصور الدعائية والفيديوهات القصيرة، وتنشر وصفات الحلوى التي تصنعها، حتى وصفها البعض بأنها «صفحة لذيذة سهلة الهضم».
قسّمت وقتها؛ فتستقبل الطلبات الخاصة صباحًا، ليكون لديها متسع من الوقت لإعدادها في موعدها. وفي المساء، تخصّص وقتًا لصفحتها، وتجيب عن أسئلة أصدقاء الصفحة وتعليقاتهم.
وكانت تحرص على أن يكون لديها من المنتجات ما يكفي لتلبية الطلبات العاجلة. يتواصل معها زبائنها في الغالب عبر الرسائل النصية، ويتسلّمون طلباتهم مع الدفع عند الاستلام، أما الطلبات الخاصة الكبيرة، فكانت تطلب من أصحابها تحويل جزء من قيمتها مسبقًا. ولم تكن تتردد في استقبال مكالمة هاتفية من أحدهم.
— ألو، شيف راما؟ أريد كيكة بطعم الشوكولا، عليها قلب أحمر كبير، وكلمة «حبيبتي».
سمعت الكلمة الأخيرة بصوت هامس، كأنه يخاطبها بها، لكنه تنحنح وأعادها بوضوح.
اعتادت استقبال مكالمات كهذه، فلم تُعر الأمر أهمية خاصة. طلبت العنوان، وسجّلت المعلومات في دفترها الخاص.
وأثناء كتابتها للطلبية، سمعته يقول:
— كانت صورتك وقطعة السكر جميلة.
— شكرًا.
ردّت، واحمرّ وجهها خجلًا، ثم أغلقت الهاتف.
بعد يومين، اتصل بها الصوت نفسه، حيّاها بمرح وطلب كعكة «السينامون»، وختم مكالمته:
— شكرًا لك يا حلوة.
ابتسمت وأغلقت الهاتف.
وبعد أيام، اتصل بها مجددًا.
— صباح الخير، بما أخدمك؟
— لا… لا أريد شيئًا اليوم. أردت أن ألقي عليكِ تحية الصباح، وبعد أن صمت برهة، قال: وسماع صوتك.
— شكرًا لك.
وأغلقت الهاتف بابتسامة عريضة على شفتيها.
.
وبعد مكالمات متفرقة، مرة يطلب كعكًا، ومرة يتصل للدردشة، تجرأ أخيرًا وطلب مقابلتها. وبعد أخذٍ وردّ، اتفقا على أن يلتقيا مساءً، بعد انتهاء العمل، في مقهى في الميدان التجاري.
التقيا في الموعد المحدد، تصافحا، مال برأسه قليلًا نحو كتفها وشعرها، ثم دار حولها سريعًا ليسحب لها مقعدًا، وجلسا إلى طاولة على الرصيف، في الظل الممتد أمام المقهى.
— رائحتكِ طيبة. وابتسم.
لم تدرِ ما تقول، فاكتفت بالصمت.
تبادلا الحديث كصديقين؛ وأفرط في مدح منتجاتها، ثم انتقلا إلى موضوعات شتّى.
لاحظت عليه أنه كان يمد رقبته من وقت إلى آخر، يشمّ ما يصل إليه من روائح. ثم قال لها إن عطرها ياسمين.
وأذهلها حين ذكر لها أنها كانت قد أعدّت آخر ما صنعت من كعك الزنجبيل.
— كيف تعرف هذا؟
— أحد أسرار الطبيعة.
وضحك.
لم ترمش عيناه وهو ينظر إليها، وكانت ساقه تهتز باستمرار تحت الطاولة. وإذا اقترب النادل منها ليقدم لها طلبها، سارع فتناول فنجانها بنفسه، وقدّمه لها كخادمٍ مطيع.
— تعاملني كملكة.
— أنتِ قطيعي كله.
قالها مطأطئًا رأسه بأدبٍ جم.
عادت من اللقاء تفكر في غموض عبارته: «كيف تكون فردًا في قطيع أحدهم؟»
في لقائهما التالي، اختارت حديقةً عامة. سارا في ممرات المشاة التي لا تخلو من شابٍّ يركض، وفتاةٍ تمارس المشي بنشاط، ورجلٍ يتهادى، والجميع يحاول استهلاك بعض السعرات الحرارية في دقائق مسروقة من يوم عمل طويل.
أما راما، فكانت تراقبهم بابتسامة سعيدة؛ أليست صنيعة يديها هي السبب في كل هذه السعرات التي يحاولون التخلص منها؟
لاحظ ابتسامتها، فسأل:
— بمَ تفكر حلوتي؟
— دعك من ذلك. هل تنوي أن تستمر لقاءاتنا بهذه الطريقة؟ بين مطعم ومقهى وميدان عام؟
— رغم سعادتي بهذا… لا، لا.
توقف أمامها ورفع يديه كمن يخاطب جمهورًا، وقال:
— ما رأيكِ لو ساهمنا معًا في شركة؟
احمرّت وجنتاها، وانتظرت أن يتحدث — ككل البنات — في موضوع رومانسي تكون هي بطلته.
أكمل:
— صالة صغيرة نستقبل فيها الزبائن، ملحقة بمطبخ تكونين فيه الشيف الرئيسية. وبإدارتي، نستعين بفريق فني وستوديو لتصوير برامجك التلفزيونية، وتحرير صفحتك، ونشر وصفاتك في كتب أنيقة… أليس جميلًا؟
— أنت… تمزح؟
وضعت يدها على فمها، وحدّقت فيه باستغراب.
في هذه اللحظة، مرّ بهما فتى مسرعًا على دراجته. انتفض الرجل، ولحق به راكضًا. أسرع الفتى خائفًا، فأسرع رجلنا بهمة أكبر. ترك الفتى الممر، وعبر إلى أكشاك الخدمات دون أن يدري ماذا يجري.
بعد دقائق، عاد الرجل راكضًا، وتوقف بجوارها، يركض في مكانه حتى هدأ. ثم صاح:
— يا للنشاط… يا للنشاط!
ظلت واقفةً في ذهول، ثم سارت باتجاه باب الحديقة بصمت.
بسبب صدمتها، دارت حول الحديقة من الطرف المعاكس الذي يبعدها عن الموقف. كانت تعود إلى ذاكرتها صورٌ من كلماتٍ قالها، وحركاته الغريبة، ونشاطه وحيويته، وردود فعله العفوية.
هل هو رجلٌ عفويّ يحب الحياة ولا يبالي بمشاكلها؟
أم أن هذه علاماتٌ لمرضٍ نفسي؟
ولماذا تكره أن تكون سيدة أعمالٍ ناجحة، مع أن ما وصفه حلمٌ يمكن الوصول إليه يومًا ما؟
ترى، هل يستتر خلف هذه الشركة بيتٌ صغير دافئ سيظهر فجأةً يومًا ما؟
تجاهلت —لأيامٍ— محاولاته للاتصال بها هاتفيًا، وردّت باقتضابٍ شديد على رسائله النصية، متعللةً بكثرة أعمالها وازدحام طلبات الكعك.
اعتادت توصيل طلباتها القريبة بنفسها، وتكليف شركة توصيل بالطلبات البعيدة. وفي يوم من الأيام، شعرت أن هناك من يتبعها، حتى إذا أنهت دورتها ودخلت السوبرماركت لتشتري أغراضها وخرجت، فاجأها يحمل عنها ما تحمله:
— هاتِ عنك يا أميرتي.. دعيني أخمن: الفانيليا، القرفة، كريمة الـ…
— ماذا تصنع هنا؟!
ضحكت بذهول، لكنه اعتذر بصوت ناعم:
— أعتذر إن بدر مني ما يزعجك.
ثم مال برأسه على كتفها، مغمض العينين، لحظات.
ارتبكت، ونظرت حولها بقلق وقالت بصوت خفيض:
— لا بأس.. لكن لا تفعل ذلك، الناس يرقبوننا!
اتفقا على اللقاء في اليوم التالي في مطعم «الأرجوان» للحديث وفتح صفحة جديدة.
اختار طاولة في زاوية المطعم؛ جلست وظهرها إلى الحائط، وهو إلى يسارها. لم ينسَ طقوس اللقاء المعتادة: حركات سريعة، والتفاتات حذرة، ثم ميلٌ تجاهها مع شهيقٍ طويل، كمن كان محبوسًا تحت الماء. تحدث عن قلقه عليها وحبه لها، وأن عليهما أن يضعا خطوطًا عامة لا يخرج عنها أيٌّ من القطيع، سواء كان هو… أو هي.
طلبا للغداء قطعتين من «الستيك»؛ لها تامة الاستواء، وله نيئة تمامًا، وأضاف ضاحكًا: «ومُدمّاة!».
كان يدمدم مع الموسيقى، وينظر في عينيها ويبتسم.
جاء النادل بطلبهما. كان أمام كل منهما ملعقة وشوكة وسكين، لكنه مد يده إلى الطاولة المجاورة —ولم يكن يجلس عليها أحد— خطف شوكة، وبدأ يأكل مستخدمًا الشوكتين، بمهارة من له مخالب في يديه! لم يترك نقطة عالقة على شفتيه؛ كان يمضغ ويبلع ويلعق بسرعة، كمن يخشى أن يفقد شيئًا.
ذهلت راما ولم تستطع تناول أي شيء من طبقها.
هبطت بنظرها بعيدًا عنه، تلهو بالنظر إلى مرآة جدارية قريبة. وعلى سطحها الزجاجي رأت الحقيقة بوضوح؛ كان يظهر إلى جوارها النصف الأعلى من كلبٍ سلوقي! وجهه طويل، وعيناه بيضاويتان عسليتان، وأذناه مهدلتان طويلتان، وفروه ذهبيٌّ ناعم، يضع قوائمه الخلفية على الكرسي ويلتهم قطعة «الستيك» النيئة المدمّاة.
تسمّرت لدقيقة، ثم انطلقت منها ضحكة مجنونة، ولولت وخرجت تركض في الشارع. كانت السيارات تحيد عنها والسائقون يلقون عليها مسبّاتهم، بينما هي تصرخ وتضحك بهيستيرية:
— أحببتُ كَلبًا!.. كنت أعرف أن وراءه شيئًا غريبًا… لكن كَلبًا؟
سعيد ذياب سليم