صيّاد الذكريات.. سعيد ذياب سليم

الشعب نيوز:-

كثيرًا ما وجدتني —دونما أدري— قد أصبحت عضوًا في هذه المجموعة أو تلك، على إحدى منصات التواصل الاجتماعي. مجموعة خاصة بالصلعان، أو بمن تجاوزوا الخمسين، أو حتى ببنات آوى.
وبعد أن يضج عالمي بعاصفة من التنبيهات الملحّة والمزعجة، أنسحب من المجموعة، وأقوم بحجب رقم الشخص الذي حشرني فيها.
إلا مجموعة «الزمن الجميل».
أضافني إليها صديقي راضي، دون أن يستشيرني أو يقيم لرأيي أي اعتبار.
صدر من هاتفي إشعارٌ، فسارعت إلى فتح الهاتف لأتصفح الرسائل الواردة. فإذا بي أرى صورة لطفل صغير، في الرابعة من عمره، بشعر أسود مصفف في جديلة، ينظر إلى الكاميرا بنظرة غاضبة وتكشيرة واضحة.
هممت بالخروج من الصفحة، لكنني توقفت قليلًا.
الفناء أذكره.
والجدار الذي يبدو خلف الطفل… أعرفه.
أهذا بيتنا قبل خمسين عامًا؟
والطفل؟
أيُعقل أن أكون أنا؟
أذكر عندما بدأت تجاربنا مع أجهزة الحاسوب، أننا بدأنا ببرامج صغيرة للحساب وحل المسائل؛ كأن نبحث عن قيمة المجهول في معادلة تربيعية، أو نسأل عن يوم ميلادنا بمجرد إدخال التاريخ، أو نحسب العمر المتوقع لشخص ما إذا عرفنا تاريخه الطبي وتاريخ والديه، وهكذا.
لكن أن تعود إلينا صور حقيقية من الماضي…
فهذا شيء آخر.
شيء مثير.

نظرت إلى صورة الطفل، واتسعت عيناي، في الوقت الذي شعرت فيه أن شيئًا ما ينبش في أعماق دماغي.
هل كانت الصورة محفزًا ما؟
نظرتُ إلى الطرف الأيمن منها، فلفتَ انتباهي بناءٌ منخفضٌ قديم، يربضُ في زاوية الفناء ككتلةٍ مهجورة. وقد أُسنِد إليه سُلَّمٌ صغير. تأملتُه لحظات، قبل أن أستبين ملامحه؛ إنه قنُّ الدواجن ذاته! وفي تلك اللحظة، بدأت سلسلة من الذكريات تفرض نفسها على شاشة عيني الداخلية، ومع كل ذكرى، أخذت الشاشة تتوهج بطريقة غريبة.
شعرت بارتفاع حرارة الجهاز، ولاحظت انخفاض مخزون الطاقة فيه.
ماذا يحدث؟
ثم ظهرت أمامي مجموعة من الصور، لم يحدث أن التقطها أحد.
أنا —الطفل نفسه— أقف فوق قنّ الدجاج، وألقي ببعض المتفرقات إلى الأسفل، لتجمعها فتاة صغيرة أذكر أنها كانت ابنة الجيران.
ثم ظهرت صورة للفتاة وهي تبكي، وقد جُرح رأسها وسال منه الدم.
وصورة أخرى لأمي وهي تقوم بحركات غريبة…
هل كانت ترقص؟
من التقط هذه الصور؟
ثم أذهلتني المفاجأة.
كانت الصور تظهر تباعًا، مرتبطة بالذكريات التي أخذت تتدفق إلى رأسي لحظة نظرت إلى صورة الطفل الأولى والفناء حوله.
هل كان الهاتف يقرأ ذاكرتي؟
عدت أتفرس في صورة أمي.
لم تكن ترقص.
تذكرتها يومها؛ حين كانت الكلمات تعجزها أمام الصدمة، فتحرك يديها بطريقة غريبة. كانت قد فعلت ذلك بعد أن سال دم الفتاة، إثر إصابتها بما ألقيته عليها دونما قصد من فوق قنّ الدجاج.
كيف لي أن أعتذر يا أمي؟
شهقتُ شهقةً سريعةً، كما فعلتُ يومها، ثم تنفستُ بعمق.
كانت تجلس مع جارتنا أمام البيت في الظلّة، حيث اعتادت استقبال زوّارها؛ وكان جدي أو جدتي كثيرًا ما يكونان بين هؤلاء الزوّار.
توهجت الشاشة من جديد، وشعرت كأن يدًا تنقر داخل رأسي نقرات منتظمة.
وظهرت صورة جديدة.
كان جدي بلباسه التقليدي، وعمامته البيضاء الملفوفة حول طربوشه الأحمر، يجلس على كرسي صغير، ويناولني شيئًا في يدي؛ ربما حبة حلوى بطعم حلوٍ حامض.
فغرت فاهي وأنا أحدق في الصورة.
ثم انطفأ الجهاز.
لملمت شتات أفكاري، وهدأ روعي قليلا، بعد أن انقطع النبض المنتظم الذي كنت أشعر به في رأسي. لكنني ظللت أسمع دويًا خافتًا، يشبه ذلك الصوت الذي يبقى في الأذن بعد صدمة قوية.
بدأت أرتب أفكاري.
أولًا، لم تكن الكاميرات الشخصية شائعة في ذلك الوقت، ولم تكن في بيتنا واحدة منها. فمن أين جاءت هذه الصور؟
ثانيًا، بدت لي بعض التفاصيل في الصور مولدة وليست حقيقية. لم يكن شعري يومها على هيئة جديلة ذيل فرس، ولم تكن أمي ترتدي مثل تلك الثياب، كما أن ذقن جدي كان مهذبًا دائمًا.
ثالثًا، أعرف أن الهاتف الذكي أشبه بسنّارة إلكترونية؛ يستطيع من يملك الوسيلة أن يلقيها في مكان بعيد، فيعبث بالبيانات والصور المخزنة في الجهاز أو السحابة، بل وقد يسجل الصوت والصورة عن بُعد، متى أراد، باستخدام تطبيقات خاصة.
لكن لماذا حدث هذا معي أنا؟
هنا تذكرت صديقي راضي.
فقررت أن أحادثه.
زرت راضي في بيته. قادني إلى غرفة جانبية بعيدة عن بقية البيت، وأغلق الباب ثم دعاني إلى الجلوس.
كان الاضطراب باديًا على محياه، وكأن زيارتي لم تكن مفاجأة له تمامًا.
— كيف حالك؟
— بخير… بخير.
— تبدو غير مسرور برؤيتي!
— لا… لا، أنا… لكن…
— اهدأ وكلمني. نحن أصدقاء.
صمت لحظة، ثم قال:
— بخصوص مجموعة «الزمن الجميل».
— نعم. هذا ما أريد أن أسمع عنه.
— كنت يومًا أتصفح أحد المواقع على الإنترنت، فوجدت شيئًا أثار فضولي وجذبني إليه. كان مشروعًا اسمه «صياد الذكريات». يسألك: هل تريد إحياء ذكرى معينة؟ موقف تتمنى أن تراه حيًّا مشرقًا مرة أخرى؟ أرسل صورة قديمة، ونحن نعيد إحياءها. هل تريد أن تقدم مفاجأة جميلة لأحد أصدقائك؟ أرسل إحدى صوره القديمة، ونحن نقوم بالباقي.
— ها… وماذا فعلت؟
— شعرت بطرافة الموضوع، فسارعت إلى الانضمام إلى المجموعة، وقدمت صورة قديمة لي وأنا فتى في المدرسة الإعدادية.
— ثم؟
— أضفتك، ورفعت مع اسمك صورتك وأنت طفل، بشعرك الطويل، تلك الصورة التي كنا نتندر بها عليك.
— لا أدري هل أشكرك أم ألعنك على ذلك.
ابتسم راضي ابتسامة باهتة، ثم قال:
— لا أدري ماذا حدث معك، لكن ما حدث معي كان رهيبًا…
— حدثني. ماذا حدث؟
— أظهر لي صورًا لي في أوضاع مختلفة داخل غرفتي. كان ينتقل بي من زاوية إلى أخرى. كنت مسرورًا في البداية، حتى…
— حتى ماذا؟
— عرض لي صورة أمام المرآة في غرفتي، وأنا أنظر إلى نفسي في المرآة.
— وماذا في ذلك؟
— لقد كنت عاريًا!
انفجرت بالضحك.
— ههه… ههه… ههه!
قال راضي بامتعاض:
— اضحك كما تحب.
قلت وأنا ما زلت أبتسم:
— لقد وقعت في الفخ الذي أعددته لي إذن.
ثم تغير وجهه فجأة.
— لا تضحك. الأمر لم يتوقف عند تلك الصورة.
توقفت عن الضحك.
— ماذا حدث؟
— لا أعرف كيف يفعل ذلك. ولا أعرف ماذا سيفعل بالصور.
— وهل تعتقد أنه سينشرها؟ أم يحتفظ بها؟
نظر إليّ راضي طويلًا قبل أن يجيب:
— هذا هو السؤال الذي يجب أن نعرف إجابته قبل فوات الأوان.
— تعال نجمع ملاحظاتنا.
تطابقت ملاحظاته مع ما وصلت إليه سابقًا: توهّج الشاشة، وارتفاع حرارة الجهاز، ثم نفاد الطاقة، وتلك النبضات التي شعرنا بها داخل الرأس.
قلت:
— هذه الملاحظات تشير إلى أن هناك من يتلاعب بنا عن بُعد.
— وتلك النبضات التي نحس بها… كيف تحدث؟
— لا أدري. لكن يبدو أنك دخلت وكرًا للذكاء الاصطناعي. يرسل لك الطُّعم أولًا، ثم يحاول أن يستثير ذكرى بعينها. وربما يستخدم سماعة الجهاز لإرسال موجات غير مسموعة تؤثر في انتباهك أو استجابتك، فتساعده على الوصول إلى ما يريد.
— كيف يلتقط صورًا من الذاكرة؟
— لا أستطيع الجزم. لكن يبدو أن توهّج الشاشة له دور.
— لحظة من فضلك. هل يمكن أن ما نفكر فيه يظهر على وجوهنا؟
خيّم علينا صمتٌ ثقيل، ونظر كل منا إلى الآخر، ممتقع الوجه.
ثم تابعت:
— في الوجه أوعية دموية يتغير تدفق الدم فيها مع الانفعالات، ومراكز عصبية تتحكم في حركة العضلات…
— إذن الصورة الأولى تعدّك لاستقبال المثير الموجي…
— ويبدأ الجهاز بقراءة التغيرات التعبيرية الدقيقة.
— عن طريق… الكاميرا؟
— لهذا تتوهج الشاشة…
ثم سكتُّ لحظة قبل أن أضيف:
— لكن ربما لا يقرأ الذاكرة من الوجه أصلًا. ربما يستثيرها أولًا، ثم يلتقط شيئًا آخر لا نعرفه.
نظر راضي إليّ دون أن يجيب.
— وتوهّج الشاشة؟
— ربما كانت الكاميرا تعمل طوال الوقت، أو أن هناك نظام تصوير آخر لا نعرفه. وربما كان التوهّج نفسه جزءًا من عملية توليد الصور. أما ارتفاع الحرارة ونفاد الطاقة، فيبدو أنهما نتيجة لما يجري في الجهاز.
أطرق راضي صامتاً، ثم قال:
— إذن لنبدأ بتعطيل الكاميرا.
قلت:
— وتغيير إعدادات الصوت إلى وضعية الصمت.
نظر إليّ.
— وإذا استمر؟
نظرت إلى الهاتف.
— عندها سنعرف أن الأمر أكبر من مجرد كاميرا وسماعة.
اتفقنا أن يغلق راضي هاتفه تمامًا، وأن يفصله عن أي مصدر للطاقة، ثم نجري التجربة على هاتفي.
دخلت إلى إعدادات الجهاز، ومن إعدادات الخصوصية عطلت إذن الكاميرا عن التطبيقات كلها، ثم انتقلت إلى إعدادات الصوت وكتمته.
قلت:
— الآن سنعود إلى صورة جدي لنرى ما سيحدث.
فتحت المنصة المعنية، واخترت صورة جدي، واستحضرت ذكرياتي معه.
لم يحدث شيء لعدة ثوانٍ.
ثم سمعنا رنّة موسيقية.
شعرت بالنبضات إياها، وتوهجت الشاشة، ثم ظهرت صورة لجدي… واقفًا على درجات قبة الصخرة.
— رحمك الله يا جدي. لكنني لم أفكر في ذلك اليوم… فكيف ظهرت الصورة؟
أغلقت الجهاز، ثم أوقفته تمامًا.
بدأ راضي يعلّق:
— يبدو أننا أغفلنا شيئًا.
— يبدو ذلك… لكن ما هو؟
ساد السكون في الغرفة، واستغرق كلٌّ منا في التفكير.
— إذن الصورة لم تأتِ من الكاميرا.
— ولا من السماعة.
— ومع ذلك ظهرت الصورة.
تطلّع كلٌّ منا إلى الآخر.
ثم قال راضي فجأة:
— Malware!
نظرت إليه مستفهمًا.
— أقصد برنامجًا خبيثًا… ربما برنامج تجسس يتحكم بالجهاز.
— هل أرسل برنامج تجسس مع الصورة الأولى؟
— يبدو ذلك.
— إذن؟
— هنا يأتي دور الخبير الفني.
— تقصد فحص الجهاز بحثًا عن البرمجيات الخبيثة، ثم ربما العودة إلى إعدادات المصنع؟
— ربما. لكن علينا أولًا أن نعرف ماذا زرعوا فيه، وكيف يتصل بالمنصة.
يبدو أن معركتنا لم تنتهِ بعد، وأن لنا جولات قادمة.
نظرنا إلى الهاتفين الملقَيين على الطاولة، بشاشتيهما السوداوين الصامتتين.
كنا نعلم أننا لن نستطيع إلقاءهما في حاوية المهملات، ولا العيش بدونهما؛ ففيهما أعمالنا، ورسائل عائلاتنا، ووسيلتنا إلى هذا العالم المترابط.
قال راضي، وهو يمد يده ببطء ليأخذ هاتفه:
— إذن، ما العمل؟
أخذت هاتفي أنا الآخر، وضغطت زر التشغيل. أضاءت الشاشة وجهي بوهجها المألوف، ثم أعدت وضع اللاصق الأسود الصغير فوق العدسة الأمامية.
قلت وأنا أبتسم ابتسامة باهتة:
— سنواصل استخدامهما يا صديقي… لكن، بدءًا من اليوم، لن ننظر إلى هذه العدسة بالبراءة نفسها، ولن نترك ذكرياتنا حافية القدمين أمام الشاشات.
وضعت الهاتف في جيبي، وخرجنا إلى الشرفة لنشرب الشاي تحت شمس الأصيل الحقيقية، بعيدًا عن وهج الصور المولّدة.
وفي جيبي، شعرت للحظة بنبضة خفيفة.
توقفت.
أخرجت الهاتف.
كانت شاشته سوداء.

قد يعجبك ايضا