
إدوارد سعيد والقضية الفلسطينية: معركة الأرض والرواية
الشعب نيوز:-
“لقاءات الأحد” تناقش دور المفكر الفلسطيني في تفكيك الخطاب الاستعماري والتعريف بالقضية الفلسطينية
استضاف منزل الصحفي والكاتب سليم النجار الأمسية الثانية من “لقاءات الأحد الثقافية”، وهي لقاءات شهرية تجمع، في الأحد الأول من كل شهر، عددًا من الأدباء والمثقفين الأردنيين، لفتح نقاش حول قضايا تتصل بالثقافة والتاريخ والسياسة.
وتناولت الأمسية إدوارد سعيد ودوره في التعريف بالقضية الفلسطينية، من خلال أوراق ومداخلات ناقشت مشروعه الفكري ونقده للاستشراق، وعلاقته بالسياسة والتراث، وأثره في تقديم الرواية الفلسطينية إلى الغرب.
وأدار اللقاء الشاعر رامي ياسين، الذي أشار إلى أن العديد من المثقفين يتناولون إدوارد سعيد وفق منهجين: الأول يتعامل معه بوصفه ناقدًا ومفكرًا وموسيقيًا، فيما يتناوله الثاني بوصفه سياسيًا، لافتًا إلى أن بعضهم، إذا اختلف مع السياسي، يرفض كل ما جاء به الناقد والمفكر، من دون الفصل بين منجزه الفكري ومواقفه السياسية.
وقال ياسين إن كتاب «الاستشراق» شكّل حالة من الصدمة لدى القراء الغربيين؛ إذ وضع إدوارد سعيد مرآة أمام أعينهم، وكشف من خلالها الصورة التي صنعها الغرب عن الشرق، وفضح ارتباط الخطاب الاستشراقي بالمشروع الاستعماري. وأوضح أن السلطة الاستعمارية استغلت الاستشراق لإنتاج معرفة عن الشعوب الخاضعة لها، وتقديم استعمارها بوصفه مهمة حضارية، في حين كان الهدف الحقيقي إحكام السيطرة على هذه الشعوب ونهب مواردها وفرض صورة دونية عليها.
وقدّم الكاتب أسيد الحوتري ورقة بعنوان «ما الذي قدّمه إدوارد سعيد للقضية الفلسطينية؟»، قال فيها إن سعيد حلّل المقولات الاستعمارية الكبرى والآليات الثقافية التي استخدمها المستشرقون الغربيون للتمهيد معنويًا ونفسيًا لاحتلال ما أطلقوا عليه اسم «الشرق». وأوضح سعيد، في كتابه «الاستشراق»، كيف خلقت الدول الاستعمارية شيئًا اسمه «الشرق»، وادعت في المقابل أنها تمثل «الغرب»، وجعلت الغرب النسخة الأفضل من البشرية، فيما صوّرت الشرق مكانًا للتخلف والرجعية والظلمات.
وأضاف الحوتري أن إدوارد سعيد «حلّل كل هذه الآليات الاستعمارية الثقافية، وكشف الوجه الحقيقي للخطاب الغربي الذي حاول أن يجمّل ما قام به من استعمار الشعوب واستعبادها ونهب خيرات الدول»، معتبرًا أن هذا الإنجاز يصب في صالح القضية الفلسطينية، لأن الاستعمار لا ينفصل عن الاستعمار الاستيطاني الصهيوني الموجود في فلسطين. كما تناول مفهوم «القراءة الطباقية» الذي دعا من خلاله سعيد إلى الاستماع إلى الأصوات المتعددة داخل النص الأدبي، وكذلك إلى «الصوت المغيّب»، وطرح السؤال: لماذا غُيّبت هذه الأصوات؟
من جهتها، تناولت الكاتبة شادية دعيبس الجانب السياسي والإنساني والموسيقي في شخصية إدوارد سعيد، مشيرة إلى مواقفه الداعمة لمنظمة التحرير الفلسطينية، وإسهامه في ترجمة وإعداد الخطاب الذي ألقاه الرئيس ياسر عرفات أمام الأمم المتحدة في 13 تشرين الثاني عام 1974، بما يتناسب مع المكان والزمان واللغة التي تفهمها الولايات المتحدة الأميركية. كما توقفت عند موقفه المعارض لاتفاق أوسلو ومسار التسوية.
وقالت دعيبس إن سعيد «لم يكن ناقدًا أدبيًا ومفكرًا سياسيًا فحسب، بل كان عازف بيانو كلاسيكيًا بارعًا وشغوفًا بالموسيقى»، وإنه كان «مفكرًا إنسانيًا بالدرجة الأولى، وشكّلت النزعة الإنسانية الجوهر الحقيقي لكل أعماله ونقده الأدبي والسياسي». ورأت أنه، رغم تأثيره في الفكر الغربي وسمعته الكبيرة وكتاباته عن الاستشراق، لم يغيّر في القضية الفلسطينية أي حدث هام، معتبرةً أن الصور المنقولة من قلب حرب غزة غيّرت مواقف قطاعات واسعة من الشارع الغربي، وعرّفتها بصورة أوضح بالقضية الفلسطينية، رغم الخسائر الكبيرة في الأرواح.
وفي مداخلته، أوضح د. محمد عبد القادر أن حضور إدوارد سعيد ودوره في القضية الفلسطينية تمحورا في مجموعة من النقاط، منها عضويته لعدة سنوات في المجلس الوطني الفلسطيني، وتقديمه آراءه وأفكاره إلى القيادة الفلسطينية حول كيفية مخاطبة الغرب وأميركا بصورة خاصة، وكيفية تقديم صورة الفلسطيني بوصفه شعبًا متحضرًا ومناضلًا، علاوة على مواجهة الهجوم الغربي السياسي على خطابات وبيانات القيادة الفلسطينية.
وأشار عبد القادر إلى الدور الأساسي والمحوري والبارز الذي لعبه سعيد في خدمة القضية الفلسطينية وشرحها للرأي العام الأميركي، وإلى دوره الثقافي والإعلامي والسياسي في مواجهة منجزات وأطروحات الدعاية الصهيونية. ولفت إلى كتابه «المسألة الفلسطينية» باللغة الإنجليزية، الذي تناول قضايا الشعب الفلسطيني ومشكلاته، وإلى كتابيه «الاستشراق» و«الثقافة والإمبريالية»، معتبرًا أن سعيد أسهم في قلب الموازين داخل «الأكاديميا» الغربية، وفي تأسيس حقل «دراسات ما بعد الاستعمار». وأضاف أنه كان، إعلاميًا، «الصوت الوطني الفلسطيني الظاهر، غير الرسمي، باسم الشعب الفلسطيني» في عدد كبير من وسائل الإعلام الغربية.
وقدّم الأستاذ سعيد الصالحي ورقة بعنوان «من يملك الرواية؟»، بدأها بالعودة إلى مقولة ابن خلدون إن «المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب»، متسائلًا: «هل يمكن أن تنتقل الغلبة من الأرض إلى الوعي؟»، وماذا يحدث عندما يمتلك الغالب القدرة على وصف المغلوب وتحديد صورته أمام نفسه وأمام الآخرين؟ ورأى أن أهمية إدوارد سعيد لا تكمن فقط في قوله إن الغرب أساء إلى الشرق، بل في سؤاله عن كيفية إنتاج صورة الآخر، وكيف تتحول هذه الصورة، بفعل تكرارها ودخولها المؤسسات التعليمية والثقافية والسياسية، من مجرد رأي إلى معرفة تبدو وكأنها حقيقة.
وقال الصالحي إن «المسألة لا تعود فقط: من يملك الأرض؟ بل تصبح أيضًا: من يملك حق وصف الأرض؟ ومن يملك حق وصف أهلها؟»، مؤكدًا أن فلسطين ليست قضية أرض فقط، بل «قضية رواية وذاكرة واسم». وأضاف أن «استعادة الرواية ليست ترفًا ثقافيًا»، لأن الذاكرة قد تصبح، بالنسبة إلى شعب فقد أرضه أو تشتت، وسيلة لحفظ وجوده، وأن أخطر ما يمكن أن يحدث للمغلوب ليس أن يخسر الأرض فقط، وإنما «أن يخسر القدرة على رواية ما حدث له».
أما الصحفي والكاتب سليم النجار، فرأى أن قراءة خطاب إدوارد سعيد تضعنا أمام تناقض نابع من كونه ابنًا للثقافة الأميركية، وفي الوقت نفسه مدافعًا عن القضية الفلسطينية. وتناول ثلاثة أبعاد تتحكم في النظرة العربية إلى الكيان الإسرائيلي: البعد الديني الشعبي المنتشر في العالم العربي، الذي ينتج أدوات معرفية تحدد من هو العدو؛ والبعد القومي، الذي يرى أن الجغرافيا أولًا؛ والبعد الشعبوي الخارج من رحم الأمنيات والتمني في ظل غياب مشروع نهضوي يعرف من هو الإنسان، ولا يتعامل معه كآلة لاستهلاك كل ما ينتجه الغرب من فكر وتكنولوجيا.
وقال النجار إن خطاب إدوارد سعيد، الذي «عرّى الغرب بكل تشعباته»، كان في الوقت نفسه على قطيعة شبه تامة مع التراث العربي، متسائلًا: «لماذا شكّلت معرفته قطيعة مع تراثنا؟»، خاصةً إذا قلنا إن من يمتلك القوة هو الذي يفرض مصطلحاته وثقافته وتعريفه للآخر. وأضاف أن إدوارد سعيد استفاد من الحضارة الغربية والمعرفة الأميركية وتسلّح بهما للدفاع عن قضيته الفلسطينية من منظور ثقافي أميركي، معتبرًا أن ذلك مفهوم، لأن الشعب الفلسطيني بعد نكبة عام 1948 تفرّق في أصقاع الدنيا وتأثر بثقافات العالم، والمفكر الفلسطيني ليس استثناءً.
وتباينت مداخلات المشاركين في تقييم أثر إدوارد سعيد السياسي ومدى صلته بالتراث العربي، لكنها ركزت على إسهامه في تفكيك الخطاب الاستشراقي وتقديم الرواية الفلسطينية إلى الأوساط الثقافية والأكاديمية الغربية. كما تناول اللقاء العلاقة بين المعرفة والقوة، ودور اللغة والذاكرة والوثيقة في الصراع على الرواية الفلسطينية.