
فساد السياسة وهروب الإقتصاد د . راشد الشاشاني
الشعب نيوز:-
ليست مُستغربة بالنسبة لنا أخباراً باتت شبه يوميّة حول هروب رجل أعمال معروف ، توقّف شركة كبرى عن دفع رواتب موظفيها ، إغلاق فروع شركة عالميّة … الخ ، نحن لا نفصل أحداث الاقتصاد ؛ وهي تعتمد أساساً على السياسة ؛ التي تجد في فساد بعض أجهزتها متّكأً تُسند إليه مقالبها .
إذا أردنا عرض صورة حيّة لفهم أوسعٍ ؛ يوضّح للعامّة صورة الحالة الاقتصاديّة ؛ التي لا نرى فيها تراجعا _ كما يشيع _ بل هي أساسا غير موجودة ونشير لها ب ” اقتصاد المشمشيّات ” التي تعتمد على تمرير مرحلة ما ؛ تبدأ بتشريعات تنتهز فرصة صدورها ” عصابات السلطة والتسلّط ” لتمرير مشاريعٍ ؛ يقف بعضها على قوائم التمويل وتسهيل الاستثمارات في سحب القروض وحيازة التراخيص ؛ التي تقابل بأثمانها فرصاً مواتية للهاربين بعد استحواذهم على حصّة الفأر من نهب الأسد ؛ الذي استخدم _ ومعه شبكته _ موقعه لتسهيل وتغطية مرور ” مشاريع الوهم ” التي اعتمدت ” غسيل الأموال ” واحدا من أساليبها لا كلّها .
لن نعلّق على تعديلات قانون غسيل الاموال باعتباره موضوعا فنيّا خالصا لا يهمّ العامّة ، سنكتفي بالإشارة _ فيما نشير إليه _ بجزءٍ منه يخصّ الدفع الإلكتروني ، ونحن نتساءل عن المستفيد من تعديل كهذا ، في مقابل تساؤلنا عن فاعليّة تقييد كهذا ؛ في مقابل الدفع النقدي ، ليس هذا أمراً جللاً ، فكل نصوص القانون لا تعمل إلا بعد فوات الأوان .
إذا أردنا لفت نظر سريع لمخاطر تصرّفات نابعة من أفكار مسيطرة على تنفيذ القانون ؛ ضمن نهجٍ مسيّرٍ تحدّهُ الأفكار التقليديّة لفكرة مكافحة غسل الأموال ؛ والأهمّ منها مكافحة الفساد ؛ التي لا زالت ترى في الفساد ” رجلاً وليس امرأة متخفّيّاً بليل ساتر يحمل كيساً يضمّ أوراقاً نقديّة ” فقط هذه صورة الفساد ، الأسوأ من ذلك أنّ كثيرا من الفاسدين هم أصحاب مشاريع من نوع كهذا أوصلتهم تركيبة الفساد ذاتها ؛ التي قُلنا عنها أنّها روح الفساد وأصله وهي : ” الفساد الإداري ” ما إن يملك أحد هؤلاء مركزه ؛ حتى يتحوّل إلى ” ناظرٍ للعدل ” و ” أمينٍ للنزاهة ” لا تملك أيّة قوّة تحريك موقعه أو نفوذه ” قامة وطنيّة ، عالم ، بيرق .. أكمل التعداد ” .
لن نطيل ، سنترك التفاصيل إلى مواقع أخرى ، قبل أن نشير إلى رؤيتنا السريعة حول مظاهرٍ ؛ لطالما أقلقتنا ، ونحن نمرّ في شوارع بلادنا ، وهي مملوءة بالناقلات والسيارات التي تتبع شركات معيّنة ، وتحمل خلف ظهرها أرقاماً تتعدى المئات ، في أرض لا تتّسع لإصطفافها ، ومعارض لبيع السيارات … الخ ، وغيرها ؛ تكفي دول المنطقة كلّها ، ونحن نحصي بخبرتنا في عالم الأعمال ؛ حدّا أدنى لالتزامات هذه الشركات والمصالح لمدّة شهر واحد ؛ لا تكفيه صفقة بيع جميع البضاعة الموجودة لمدّة سنة كاملة .
دعك من هذا ؛ هناك ما هو أدهى من ذلك ، حين تحوّل الكثير من سكان بيوت التراب و ركوب الدواب والمواصلات العامة _ لا نعيب ذلك طبعاً _ إلى العيش في القصور وركوب أفخر أنواع السيارات ، وامتلاك المجمّعات التجاريّة ؛ وهم لم يعملوا يوما واحدا في التجارة ، لقد استولوا كما فعل آبائهم وأبنائهم ؛ على مواقع العمل العام ؛ وحرموا كلّ من أتعبته مغامرات الربح والخسارة من كلّ ذلك ، ليس هذا بحدّ ذاته مهمّاً ..
المهمّ ؛ ثمن مساحات الأرض التي باعها هؤلاء ، والمهمّ كذلك ؛ من اشتراها ولماذا دفع كلّ هذا الثمن ؟ ما كان يساوي ديناراً بيع بمئة !
والاهمّ من منحهم إياها ، هم لم يشتروها ، لم يعرق جبينهم للحصول على ذرّة منها ، لم تقلق أمّ احدهم حين تأخرت عودة ابنها من عمله .
فوق كلّ ذلك ، ماذا فعلت هذه المحصّلة في سوق الأسعار ، لقد تضخّم سعر كل ما يُشترى في مقابل بخس كلّ ما يُباع ، لقد انهارت المصالح الاقتصاديّة التي بُنيت بالعرق على امتداد عقود ، لصالح مصالح التغيير والتطوير والتحديث ؛ التي هبطت بليل بلا قمر ونهار بلا ضوء ، ليس مظلوماً فقط من يخسر كلّ ماله ؛ بل من يملك الملايين كذلك ؛ إذا ألَمّت به نازلةٌ من عصابةٍ أفقَدَتهُ بعضاً منها بلا حقّ ، أليس كذلك الأمر ؟
هذه الصورة تجعل من أرض الاقتصاد ضيّقة على حمولتها ، ليس لإنعدام كفاءتها بل لسطوة المصالح عليها ، هذه المصالح التي لا تتبدّل إلّا داخل العائلة التي تدخل شريكا في كلّ تفصيل .
إنّه الفساد الإداري ؛ الذي لا يُمَكّنُ سوى المحاسيب والأعوان ، ولا يُوصِل إلّا ” الدفترجيّة ” حافظي الدوسيهات ، الذين لم يعملوا يوما واحدا على حسابهم ، ولم يخاطروا ساعة واحدة في لقمة عيشهم ، وهم يقيسون مخاطر السياسة والاقتصاد ” بطول أوراق الدفاتر التي حفظوها ” و ألوان مقاعد الدراسة التي طال عهدهم بها ” والأهمّ من ذلك ” رضا صاحب التقرير والتقارير ” عن تقاريهم .