حين يتحدث الأردن… يرتفع صوت العرب د. سليمان عيسى جرادات

الشعب نيوز:-

رئيس الهيئة الفلسطينية لحملة. الدكتوراه في الوظيفة العمومية / فلسطين
في لحظة عربية وإقليمية بالغة الحساسية، جاء خطاب جلالة الملك عبد الله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ليؤكد أن الصوت العربي، حين يستند إلى وضوح الموقف وعمق المسؤولية والتمسك بالحقوق، قادر على أن يحضر بقوة في المحافل الدولية، وأن يضع القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، في موقعها الذي تستحقه على أجندة المجتمع الدولي.
لقد كان الخطاب تعبيرًا عن موقف أردني ثابت، وعن رؤية عربية تنطلق من إيمان راسخ بأن القضية الفلسطينية ليست أزمة عابرة، ولا ملفًا يمكن تأجيله كلما ظهرت أزمة دولية جديدة فالشعب الفلسطيني صاحب أرض وهوية وتاريخ وتضحيات ومن هنا جاءت كلمات الملك لتؤكد أن استمرار الصراع لا يمكن أن يكون قدرًا دائمًا، وأن إدارة الأزمات لا يمكن أن تكون بديلًا عن معالجة جذورها والوصول إلى سلام عادل ودائم.
ان حكمة جلالة الملك تستحق تقديرًا واضحًا على ما حمله خطابه من صراحة واتزان، وعلى إصراره المستمر على إبقاء فلسطين حاضرة في صدارة الخطاب السياسي الدولي. فالموقف الأردني لم يتوقف عند حدود البيانات والمواقف السياسية، بل ارتبط بمسار متواصل من التحرك الدبلوماسي والاتصالات الدولية والدفاع عن الحقوق الفلسطينية، والدعوة إلى وقف المعاناة الإنسانية، والتمسك بحل الدولتين وفق المرجعيات الدولية.
وهنا تبرز أهمية الدور الذي تقوم به المملكة الأردنية الهاشمية، قيادةً وحكومةً ومؤسساتٍ، في دعم الأشقاء الفلسطينيين، سياسيًا وإنسانيًا ودبلوماسيًا. فالأردن لم يتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها مجرد ملف من ملفات السياسة الخارجية، بل باعتبارها قضية عربية مركزية وامتدادًا طبيعيًا لمسؤوليته التاريخية والقومية، وهو ما انعكس في المواقف الرسمية والجهود الإنسانية والإغاثية.
ومن المهم التنويه بأن الموقف الأردني في دعم فلسطين هو موقف دولة متكامل؛ تقوده القيادة السياسية، وتعمل الحكومة ومؤسسات الدولة على ترجمته إلى مواقف وتحركات وبرامج عملية، بما يعكس وحدة الموقف الأردني في دعم الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة، ورفض أي محاولات لفرض واقع جديد على الأرض أو تغيير التركيبة الجغرافية والديموغرافية للقضية الفلسطينية.
وقد اكتسب هذا الدور أهمية أكبر في ظل ما شهدته المنطقة من تطورات متسارعة، إذ واصل الأردن التأكيد على ضرورة حماية المدنيين، وإيصال المساعدات الإنسانية، ورفض التهجير، للوصول إلى حل سياسي يضمن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على أساس حل الدولتين، وفق قرارات الشرعية الدولية.
كما أن للقدس مكانة خاصة في الخطاب الأردني، ليس فقط لما تمثله المدينة من قيمة دينية وحضارية وإنسانية، وإنما أيضًا لما يرتبط بها من الوصاية الهاشمية التاريخية على المقدسات الإسلامية والمسيحية ولذلك فإن تأكيد الملك على حماية الوضع التاريخي والقانوني القائم في القدس يعكس مسؤولية أردنية راسخة تجاه مدينة تشكل جزءًا أساسيًا من هوية المنطقة ومستقبل السلام فيها.
إن تقدير خطاب الملك عبد الله الثاني لا يأتي فقط من كونه خطابًا أمام أكبر محفل دولي، وإنما من طبيعة الرسالة التي حملها: رسالة تقول إن السلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على تجاهل الحقوق، وإن الاستقرار لا يمكن أن يتحقق بتجاوز القضية الفلسطينية، وإن المجتمع الدولي مطالب بالانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة أسبابها.
لقد تحدث الملك بلغة الدولة التي تعرف مصالحها، وبروح المسؤولية العربية التي تدرك أن أمن الأردن واستقرار المنطقة يرتبطان بصورة وثيقة بمستقبل فلسطين. وكان لافتًا أن الخطاب جمع بين وضوح الموقف وهدوء اللغة، وبين التمسك بالثوابت والانفتاح على الحوار، وهي معادلة تعكس نهجًا أردنيًا يقوم على الاعتدال دون تراجع، وعلى الدبلوماسية دون تفريط، وعلى السلام دون التخلي عن الحقوق.
ومن هنا فإن الموقف الأردني يستحق الإسناد والتقدير؛ ليس من باب المجاملة السياسية، وإنما تقديرًا لدور دولة عربية واصلت، في ظروف إقليمية ودولية معقدة، وضع القضية الفلسطينية في مقدمة أولوياتها، ولقيادة سياسية حافظت على حضور القضية في المحافل الدولية، ولحكومة ومؤسسات دولة تعمل على ترجمة هذا الموقف إلى مواقف سياسية وإنسانية ودبلوماسية.
إن الأردن، بقيادة الملك عبد الله الثاني، لم يتعامل مع فلسطين باعتبارها قضية خطاب فقط، بل باعتبارها مسؤولية سياسية وإنسانية وقومية. وهذه الحقيقة تفرض على كل من يقرأ المشهد العربي بموضوعية أن يتوقف عند الدور الأردني، وأن يقدّر حجم الجهد الذي تبذله المملكة في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية، وفي حماية القدس ومقدساتها، وفي دعم الشعب الفلسطيني، وفي إبقاء باب الحل السياسي مفتوحًا أمام سلام عادل ودائم.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في خطاب الملك وموقف الأردن أن الرسالة كانت واضحة: السلام هدف، والدبلوماسية وسيلة، لكن الحقوق والثوابت ليست موضع مساومة.
وفي زمن تتبدل فيه المواقف وتتسارع فيه الأزمات، تبقى الحاجة إلى صوت عربي واضح ومتزن ضرورة سياسية. وقد كان الأردن، قيادةً وحكومةً وشعبًا، حاضرًا بهذا الصوت، مؤكدًا أن فلسطين ستبقى في قلب الموقف الأردني، وأن القدس ستظل حاضرة في الوجدان والجهد السياسي، وأن دعم الحقوق الفلسطينية سيبقى جزءًا أصيلًا من المسؤولية الأردنية والعربية.
فكل التقدير لجلالة الملك عبد الله الثاني على خطابه وموقفه، وكل التقدير للدبلوماسية الأردنية وللحكومة ومؤسسات الدولة على ما تبذله من جهود في دعم الأشقاء الفلسطينيين والدفاع عن حقوقهم، وكل الاحترام لموقف أردني اختار أن يقول كلمته بوضوح في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى المواقف المسؤولة أكثر من أي وقت مضى فحين يتحدث الأردن… لا يتحدث عن نفسه وحدها، بل يحمل معه صوت فلسطين، وذاكرة القدس، ووجدان أمة تتطلع إلى السلام دون أن تتخلى عن حقوقها.

قد يعجبك ايضا