
صديق حتى إشعار آخر سعيد الصالحي
الشعب نيوز:-
«أنت لا تصلح حتى لقيادة مجموعة من الكتاكيت، وأستغرب كيف مرّ بك العمر دون أن تتعلم أو تمتلك بعض الصفات التي تجعلك قائدًا، ولو لبضع كتاكيت على الأقل. سامحني يا صديقي، فمن واجبي أن أكون صادقًا ومخلصًا لك، وحتى لو لم يعجبك رأيي أو أزعجتك طريقة طرحي له، فهذا واجبي تجاهك».
بعد أن بخّ صديقي عبد البديع كلماته في قلبي وعقلي، رطّب شفتيه بلسانه كثعبان حكيم، وأسند ظهره إلى مقعده كفاتح عائد لتوّه من معركة حقق فيها نصرًا لم يقدر عليه نبوخذ نصر في زمانه.
أما أنا، المهزوم، فلم أجد في خصال عبد البديع ومناقبه، طوال حديثه معي، أي فضيلة من تلك التي طالبني بامتلاكها. ولم أعلم يومًا أنه قاد عربة يجرّها بغل، أو سيارة تمتلك من الذكاء أكثر مما يمتلك هو، لكنني كنت أحبه كما هو، ولم أنظر يومًا إلا إلى خصاله الجميلة. فأنا لا يهمني إن كان صديقي ذكيًا أو غنيًا أو وزيرًا؛ جلّ ما يهمني، وسيبقى يهمني، ألا ينسى لساني وقلبي كلمة «صديق».
شكرت صديقي على صراحته، ووعدته بأنني سأعيد التفكير في كلماته. وأكدت له، كذبًا، أنني لم أنزعج مما تفوّه به، وأكدت له، صدقًا، أنه صديق حقيقي عابر للمواقف والكلمات، وأنه خلّ وفيّ يفضح إحدى مستحيلات العرب الثلاثة.
وأثناء عودتي من ورشة الصراحة الفجّة، أخذت أفكر وأتساءل: لماذا ضمّ العقل العربي الخلّ الوفيّ إلى العنقاء والغول؟
هل الصديق مخيف وعنيف مثلهما؟ أم أنهم يقصدون أنه خرافة مثلهما أيضًا؟
وقلت في نفسي: ماذا سيحدث لمخترع هذه المقولة لو صادف غولًا ذات يوم على جانب إحدى الطرقات؟ هل سيلغي مستحيلاته أم يقلّص عددها فحسب؟
والمشكلة أن مثل هذه العبارات تتسرّب إلى عقولنا وقلوبنا وقناعاتنا دون استئذان. ولأننا لم نلتقِ بغول أو عنقاء، فإننا نتوجّس خيفة من الأصدقاء وحدهم، ونتعامل معهم كمن يقرأ رواية للمرة العاشرة، وهو يعرف النهاية التي تحملها صفحاتها الأخيرة. فلا يفاجئنا اختفاء صديق من حياتنا، ولا خروجنا نحن من عالمه.
توقفت أنا وأسئلتي عند إشارة المرور الحمراء، وقررت ألّا أستسلم لتجارب الآخرين؛ فحتى هذه اللحظة، لم أجد حولي إلا أخلّاء يفنّدون مقولة العرب القديمة.
وصلت إلى بيتي، ونفّذت وعدي لصديقي؛ فقد فكّرت مليًا في كلماته، ثم قمت على الفور بحظر صديقي عبد البديع من مواقع التواصل جميعها. فقد صدق العرب، فالخلّ الوفيّ لا يأتي من باب منصات التواصل الرقمية.
لقد أزعجتني يا عبد البديع…