
التكنولوجيا تعيد رسم خرائط النفوذ وموازين القوى الإقليمية والدولية
الشعب نيوز:-
اليوم أكثر من أي وقت مضى يشهد العالم تغييرات في جيوش الدول بفضل دخول التكنولوجيا في كل تفاصيل العلم العسكري، وتحدد هذه التغيرات من جديد ما تؤمن به الجيوش من مبادئ قتالية، فلم تعد الجيوش الضخمة بعديدها وعدتها تعني بالضرورة أنها ستحقق النصر في أي مواجهة، بل أصبحت المرونة هي المفتاح الحقيقي للنجاح، وفي ظل تطور الطائرات المسيرة وتفوق الحرب الإلكترونية، نلاحظ بوضوح كيف تترك الجيوش— من واشنطن إلى مدن الشرق الأوسط— النموذج القديم القائم على القواعد الضخمة، وتتجه نحو فكرة ” القوة الموزعة “، والجغرافيا لم تعد تقتصر على الأرض والبحر، بل تشمل الآن ميادين غير مرئية مثل الأقمار الصناعية وخطوط إنتاج الذخائر، وهذا هو المفهوم الأساسي الذي تعرفه الولايات المتحدة الآن باسم ‘الانتشار القتالي المرن’؛ خطة لا تستبعد القواعد، بل تمنحها قدرة على الحركة والبقاء في بيئة معقدة.
جوهر هذا المفهوم يكمن في تفكيك الكتلة العسكرية التقليدية بدلاً من الاعتماد على قاعدة واحدة مركزية، تُوزّع الطائرات، الأفراد، خطوط الإمداد، وحتى مراكز القيادة على عدد أكبر من المواقع، متفرقة ومتناثرة، ولم يعد هذا مجرد نظرية — فقد اختبرته القوات الجوية الأمريكية بالفعل في مناورات معقدة في المحيطين الهندي والهادئ، وضمن نطاق القيادة المركزية، للتأكد من قدرة الجيوش على إنتاج القوة من أماكن مختلفة، وفي بيئات عدائية حقيقية.
الهدف ليس التخلي عن القواعد الكبرى، بل تعقيد حسابات العدو، وإبقاء خصمه في حيرة، فكلما انتشرت الوحدات والطائرات عبر مواقع متعددة، أصبح من الصعب على الخصم تحديد أهداف دقيقة، إذ أن القوات تكون قادرة على امتصاص الضربة الأولى، وتبقى مستعدة للرد حتى في وسط هجمات صواريخ دقيقة، أو طائرات مسيرة، أو عمليات تشويش إلكتروني مكثفة.
اليوم، يظهر بوضوح أن القواعد الثابتة لم تعد آمنة كما كانت، والتجمعات العسكرية الكبيرة لم تعد حصوناً، بل صارت أهدافاً سهلة وذات قيمة عالية، لهذا السبب، لن تبدو قاعدة المستقبل كحصن لا يقهر، بل كعقدة حيوية داخل شبكة واسعة من المنشآت، وقدرات متحركة وقابلة للانتقال بسرعة.
في حين تبقى القيادات الجغرافية الأمريكية الكبرى— كالمركزية والأوروبية والأفريقية— أعمدة راسخة في الهيكل الدفاعي لـ “البنتاغون”، فإن أي حديث عن إلغائها أو دمجها يظل تكهناً يفتقر للدلائل الرسمية، لكن التحول الحقيقي والملموس يجري في عمق هذه البنية وطريقة إدارة القوة؛ فالولايات المتحدة تسعى لامتلاك مرونة قتالية تسمح لها بالعمل في جبهات متعددة متزامنة، متكئة على قيادة متحركة، وقوات موزعة، وشراكات محلية، وقدرات ضاربة بعيدة المدى، أي أن المسألة لا تتعلق بتغيير لافتات وأسماء القيادات، بل بتغيير الطريقة التي تتدفق بها القوات والموارد بينها.
وفي بيئة استراتيجية تتسع فيها مسارح المواجهة، من قلب أوروبا إلى توازنات الشرق الأوسط والمحيطين الهندي والهادئ، أصبحت “المرونة” في تحرك القوات أكثر من مجرد خيار تكتيكي. أصبحت ميزة استراتيجية حاسمة بشكل حقيقي. وتُظهر القارة العجوز تغييرًا كبيرًا في أولوياتها الدفاعية، ففي عام 2025، ارتفع الإنفاق العسكري في أوروبا بنسبة 14% مقارنة بالعام السابق، ووصل إلى مستوى بلغ 864 مليار دولار وفق أحدث بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، هذه الزيادة تُعد الأكبر في تاريخ القارة منذ نهاية الحرب الباردة.
لكن الفكرة الحقيقية وراء هذه الأرقام الكبيرة ليست في كمية الأموال المُنفقة، بل في ما تشير إليه من سباق أوروبي مكثف لاستعادة العقيدة العسكرية في بيئة أمنية غامضة ومستقرة، فحرب أوكرانيا أعادت للأذهان دروسًا قديمة وقاسية؛ فالجيوش الحديثة تحتاج إلى منصات قتالية ذكية ومتطورة، كما تحتاج إلى كميات هائلة من الذخائر، ونظام دفاع جوي متعدد الطبقات، وطائرات مُسيّرة قادرة على التسلل، وامتلاك شبكات الإستطلاع الفضائي، وما يتعلق بالحرب الإلكترونية، والأهم من هذا كله قدرة صناعية قادرة على تعويض الخسائر ومواصلة العمليات في الحروب الطويلة، لذلك ترسّخ مفهوم “الجاهزية العسكرية” بوصفه ممارسة جديدة؛ فلم يعد يُنظر إليه على أنه محكوم بمجرد وفرة العتاد، ولا حتى بمستوى الدبابات وأنواعها وما تمتلكه من قدرات، ولا بالطائرات من حيث حداثتها وما يُباهي به ذلك في العروض العسكرية، بل أصبح الأهم، وبأولوية قصوى، هو قدرة الدولة على تشغيل تلك الإمكانات، وما تملكه من أسلحة، والعمل على صيانتها، وضمان استمرار إمداداتها حتى في الظروف الصعبة والحرجة داخل ساحة المعركة.
هذا التحول العالمي يظهر بوضوح في الشرق الأوسط، وتحديدًا لدينا في الأردن كنموذج متقدم، ففي بداية عام 2026، تم تكليف القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي بإعداد استراتيجية متكاملة وخارطة طريق لإجراء تغييرات هيكليّة كبيرة تمتد على مدى ثلاث سنوات، هذه الرؤية الملكية تهدف إلى بناء قوات قوية ومرنة وذات جودة، من خلال تحديث أنظمة القيادة والسيطرة والاتصالات، ودمج الأنظمة غير المأهولة والذكاء الاصطناعي في قلب العمليات العسكرية على جميع المستويات.
الخطوة التي اتخذتها الأردن لها أهمية كبيرة تتجاوز حدودها الجغرافية، فهذه البداية تعكس نمطًا إقليميًا جديدًا يترك وراءه مفهوم الجيوش الكبيرة والثقيلة، ويتمسك بالقوات النوعية الرشيقة، وهذه القوات قادرة على الاستجابة السريعة في بيئات معقدة ومتداخلة، والتحول لا يعني أبدًا التخلي عن العنصر البشري أو استبداله، بل يهدف إلى تعزيز كفاءته من خلال التكنولوجيا الرقمية.
والمقاتل في حروب الجيل الجديد لم يعد وحدة منعزلة تقاتل في الميدان، بل أصبح جزءًا أساسيًا من شبكة معلوماتية متكاملة، وهذه الشبكة تربطه فورًا بأنظمة الاستطلاع، والطائرات المسيرة، والاتصالات الآمنة، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وتأتي التطورات الميدانية الأخيرة في قاعدة ’راف فيرفورد‘ (RAF Fairford) البريطانية لتجسيد وجه آخر من وجوه هذه المعادلة، ففي أكتوبر 2026، اتخذت واشنطن قراراً مفاجئاً بسحب قاذفاتها الاستراتيجية من طراز (B-1) من الأراضي البريطانية، مدفوعة بتقديرات استخباراتية حذّرت من خطة وشيكة لاستهداف القاعدة عبر أسراب من الطائرات المسيرة. هذا التحول المفاجئ، وتأكيد واشنطن على قدرة هذه القاذفات على إنجاز مهامها العابرة للقارات مباشرة من داخل الولايات المتحدة، يُظهر أن القواعد الثابتة لم تعد حصوناً مطلقة الردع. بل أصبحت الآن أهدافاً واضحة يمكن استهدافها عبر تكتيكات غير تقليدية.
ومن هنا، أصبحت القدرة على نقل الأصول العسكرية الثمينة بسرعة، والتشتت السريع لها، جزءًا أساسيًا من استراتيجية الردع الحديثة، وهذا التحول الفكري ظهر بشكل أوضح في الممرات البحرية الدولية، ففي البحر الأحمر ومضيق باب المندب، تغيّر المشهد كلياً؛ فقد أثبتت قوى محدودة الموارد، ومتواجدة في منطقة محصورة، أنها قادرة على تعطيل حركة الملاحة العالمية، وإجبار شركات الشحن العملاقة على التوجّه حول رأس الرجاء الصالح بدلاً من المرور المباشر.
وتؤكد تقارير منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) كيف أثر هذا التحول القسري على تكاليف الشحن، إذ شهدت ارتفاعات هائلة، وانعدام كبير في سلاسل الإمداد، ونتيجة لذلك لم تعد هناك حاجة إلى امتلاك أساطيل ضخمة لمواجهة القوى الكبرى، فالمسيرات الصغيرة، والزوارق غير المأهولة، أعادت رسم معادلة جديدة وهي استنزاف الموارد باستخدام أسلحة رخيصة، وتُظهر الأرقام أن تكلفة صاروخ اعتراض غربي قد تفوق ثمن الهدف المعادي بأضعاف.
وهذا لا يعني نهاية عصر حاملات الطائرات. لكنه يعني أن مستقبلها يتطلب دمجها ضمن أنظمة دفاع متعددة الطبقات، تعتمد على الذكاء الاصطناعي، والحرب الإلكترونية، وتقنيات متقدمة أخرى. فالقوة لم تعد تُقاس فقط بالعدد، بل بالقدرة على التكيف، والبقاء، والرد السريع في بيئة تتغير بسرعة.
ومن خلال ارتباط الجغرافيا العسكرية بالاقتصاد، أصبحت مضائق هرمز وباب المندب وقناة السويس مجرد ممرات مائية، وتحولت إلى مواقع حاسمة تؤثر بشكل كبير على الحياة العالمية، فعندما تستهدف منشأة للطاقة أو سفينة تجارية، تترتب على ذلك تأثيرات تتجاوز بكثير ما يُحدثه العمل العسكري نفسه، وتصل إلى أسواق العالم بأكمله.
كما أن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) تعتمد اليوم على شبكة معقدة تضم أكثر من 200 ألف مورد لضمان تدفق الأسلحة، وفي الوقت نفسه، تصدر هيئة المحاسبة الحكومية الأمريكية (GAO) تحذيرات متكررة من خطورة الاعتماد على مصادر أجنبية لتأمين المواد الحيوية، هذا التحدي يجبر كل الدول على مواجهة حقيقة صعبة مفادها إن امتلاك أحدث المقاتلات على الورق لا قيمة له، ما لم تدعمه قاعدة صناعية دفاعية قادرة على تأمين أشباه الموصلات، والمكونات الإلكترونية، والذخائر، في ظل حصار ناري خلال حرب استنزاف طويلة.
ولأن الخريطة التي تحدد القوة لم تعد تقتصر على الجغرافيا فقط، بل امتدت إلى خطوط المصانع، وسلاسل الإمداد، وعقد البيانات، وشرايين الطاقة، فإن المشهد في آسيا وأوقيانوسيا يزداد سرعات اليوم كمركز رئيسي لتكنولوجيا وعسكرية، وبمعرفة أن الإنفاق العسكري في هذه المنطقة قد قفز بنسبة ثمانية وعشرون بالمائة في عام 2025 ليصل إلى حوالي ستة مئة وسبعين مليار دولار—أكبر زيادة سنوية شهدتها المنطقة منذ عام 2009—مدفوعاً بزيادة الإنفاق في الصين بنسبة سبعة وأربعون بالمائة، وفي اليابان بنسبة تسعة وسبعون بالمائة، وفي تايوان بحدود أربعة عشر بالمائة. ومع ذلك، فإن تحويل هذا المشهد المعقد إلى سيناريو “نفوذ آسيوي خالص” يبدو محدوداً؛ فالحقيقة تتداخل فيها طموحات الصين مع وجود الولايات المتحدة القوي، وتحالفات طوكيو، وسيول، وكانبيرا، ما سيجبر واشنطن عاجلاً أم آجلاً على إعادة هندسة توزيع مواردها بين جبهات أوروبا، الشرق الأوسط، وآسيا.
أما في الشرق الأوسط وأجزاء من أفريقيا، فإن مشكلة الفراغ الجيوسياسي لن تُملأ من قِبل لاعب واحد؛ بل تتشكل بيئة أمنية متعددة الأقطاب تتداخل فيها قوى إقليمية ودولية مثل تركيا، وإيران، وروسيا، وتتحرك فيها المصالح عبر تحالفات مرنة ومتقاطعة، وفي البيئات التي يضعف فيها المؤسسات، تظهر معضلة أعمق إذا ما كانت الدول تستطيع بناء جيش وطني يحتكر القوة، أم ستظل رهينة لنماذج هجينة تعتمد على فصائل وشبكات أمنية محلية، فالأحداث تؤكد أن تكوين جيش حديث يتجاوز مجرد تكديس الأسلحة في المخازن، ليصبح اختباراً حقيقياً لامتلاك سلسلة قيادة موحدة، خدمات لوجستية فعالة، ونظم اتصالات مشفرة وآمنة.
وبحلول عام 2030، تبدأ معالم النظام الأمني الجديد أن تتضح من خلال ثلاث مسارات متداخلة:
أولا: تتصاعد القوة العسكرية في آسيا بسرعة غير مسبوقة، مدفوعة بتسارع السباق في التسلح البحري والجوي والفضائي، خاصة في المحيطين الهندي والهادئ، وتزداد أهمية هذه المنطقتين كمجالات تنافس حاسمة، حيث لا تكفي القوة التقليدية وحدها للحفاظ على التفوق، بل يُطلب الآن تمكّن كامل من التكنولوجيا المتقدمة.
ثانياً: تتوسع شبكات الأمن الهجينة، وتتزايد أثرها في تعزيز دعم القوى الإقليمية التي تملأ الفراغ الذي خلقته انسحاب القوى الكبرى، فبدلاً من الاعتماد على قوى عظمى بعيدة، تصبح الدول الأصغر قدرة مستقلة، قادرة على التصرف بسرعة، ومتماسكة أكثر في مجالات الدفاع والاستقرار.
ثالثاً: تشهد الجيوش الوطنية تحولاً جذرياً نحو الكفاءة الرقمية. فالذكاء الاصطناعي، والقدرات السيبرانية، والطائرات بدون طيار تصبح جزءاً أساسياً من كل استراتيجية دفاعية، ولا يكفي أن تكون لديك قوات كبيرة أو قواعد ثابتة؛ ما يهم هو أن تستطيع الاستمرار في العمل تحت الضغط، وأن تحمي شبكاتك، وتُبقي صناعتك قائمة، وكل ذلك تحت قيادة مركزية واحدة تربط الأرض والبحر والجو والفضاء والسيبراني.
وبالتالي، لن نرى “حرباً بلا جنود”، لكن التفوق لن يكون لمن يملك أكبر عدد من الجنود أو أكبر عدد من القواعد، بل لمن يستطيع الصمود، والتكيف، وإعادة بناء قوته وسط وابل النيران. الجيش لم يفنِ، لكنه أصبح مختلفاً—أكثر مرونة، أقل تجمداً، وأكثر تفكيكاً، فالقواعد ستبقى، لكنها لن تكون مركزية، بل عقد موزعة. الأساطيل ستبحر، لكن في بحار مليئة بأعداء قادرين على إيقافها بأقل تكلفة، وهذا يعني أن مقياس القوة الحقيقي لن يكون ما تمتلكه قبل الحرب، بل ما تستطيع فعله أثناءها هو البقاء، التكيف، والانتعاش.
ومع اقترابنا من عام 2030، تبدأ الخرائط الجيوسياسية بالتغيير. لم تعد الحدود الجغرافية السياسية هي المعيار الوحيد لتحديد النفوذ، والآن، يُحكم النفوذ من خلال ما يُسمى بتفوق الحركة والإنتاج والاتصال، ومن يتحكم في سلاسل الإمداد؟ ومن يستطيع حمايتها ومن يُمكنه تشويش خطوط العدو؟ من يبقى مجهولاً، صعب الرؤية، ولا يمكن استهدافه؟ هذه هي الأسئلة الجديدة.
وفي النهاية، لا تكمن الثورة الحقيقية في العقيدة العسكرية الحديثة في فكرة “حرب بلا جنود” التي تبدو وهمية، بل في التحول العميق من نموذج القوة المركزة إلى نموذج القوة الموزعة، ومن التركيز على الحجم والعدد إلى التمسك بالمرونة، والتعامل مع الظروف المتغيرة، والبقاء حتى عند ضغط شديد.
هذه هي المعادلة الجديدة للبقاء، وهذه هي التي ستُحدد من سيكون له الدور المهيمن في رسم مستقبل القوة العسكرية، والتأثير الجيوسياسي العالمي في العقد القادم.