ذاكرة الكهرباء عاطف أبو حجر

الشعب نيوز:-

 

في الزمان الماضي كان عدّاد ساعة الكهرباء يشعر مع المواطن، يمشي على مهله، يقف في صِفّة، وفي لحظات تشعر أن عدّاد الكهرباء في تحالف علني مع المواطن المسخّم، بحيث لا يسجّل في نهاية كل شهر أكثر من ثلاثة دنانير استهلاك لمبات غرفة القعدة والديوان والحوش، وأبريز يتيم للراديو.

أما اليوم فإن المواطن يشعر أن عدّاد الكهرباء أصبح عدوّه الخصم، الذي يترصّد له ويسجّل أعلى الأرقام بحجّة الجيزر، وكأن الجيزر أصبح وحش إستهلاك وآلة استنزاف كهربائي ويشكّل خطرًا على الاقتصاد المنزلي.

وعلى ما يبدو أن للكهرباء ذاكرة موسمية لا تخطئ، فهي تحفظ شهري كانون الأول وكانون الثاني عن ظهر قلب، وتستقبلهما كل عام بفاتورة استثنائية، أشبه برسالة تذكير بأن الشتاء قد حلّ رسميًا. فبمجرّد أن ينظر المواطن إلى الفاتورة، يدرك أن التدفئة لم تبدأ بعد، لكن الحساب قد سبق الجميع بخطوة كبيرة، تاركًا علامات استفهام أكثر من عدد الكيلوواط المستهلكة.

فمعظم سكان الأردن وصلت إليهم فاتورة الكهرباء ضعفًا مضاعفًا عن الفواتير المعتادة، في مشهد لم يعد مفاجئًا بقدر ما أصبح تقليدًا سنويًا ثابتًا. أرقام ترتفع بلا مقدمات منطقية، وتفرض نفسها على البيوت كما يفرض البرد حضوره، دون استئذان، ودون مراعاة لقدرة المواطن على الاحتمال.

وفي كل عام، وتحديدًا تتكرر القصة ذاتها، بالسيناريو نفسه، والتبريرات نفسها، وكأنها نسخة كربونية لا تحتاج إلى تحديث. المواطن يراجع استهلاكه، يعدّ الأجهزة، يتفقد المفاتيح، ثم يقارن الفاتورة بما قبلها، ليكتشف أن الفرق لا يفسّره عقل.

وحين يُطرح السؤال عن السبب، تطلّ علينا الحجّة الأشهر: الجيزر. ذلك الجهاز الذي تحوّل إلى أسطورة موسمية، وقصة من وحي الخيال لراويها، يُحمَّل وحده مسؤولية كل ارتفاع، وكأنه يعمل ليل نهار بلا توقّف، ويستهلك الكهرباء كما تلتهم النار الحطب. أما الواقع، فيعلمه الجميع: الجيزر لا يعمل إلا بقدر الحاجة، ولا يملك تلك القدرات الخارقة التي تجعله سببًا مقنعًا لهذه القفزات الفجائية.

ثم تأتي احتمالية أخرى لا تقل غرابة، مفادها أن يكون بعض المواطنين في سفر، في رحلة عمرة أو سياحة، وكأن الكهرباء قررت أن تعمل بالنيابة عن أصحاب البيوت، أو أن الأجهزة المنزلية ترفض التوقّف احترامًا لغيابهم.

وهنا يبقى التساؤل الأهم معلّقًا: ما قصة هذا الارتفاع؟ وما هو السبب الحقيقي؟
هل هو خلل في آلية الاحتساب؟ أم قراءة تقديرية تجيد المبالغة؟ أم تسعيرة تتغيّر بصمت، ويُترك المواطن ليكتشفها وحده عند مراجعة الفاتورة؟

لسنا نطالب بالمستحيل، ولا نبحث عن كهرباء بلا ثمن، بل نأمل توضيحًا صريحًا، وجوابًا مقنعًا، يحترم عقل المواطن قبل جيبه.

ستبقى فاتورة الكهرباء، ما لم يُكشف سرّها، حكاية شتوية تتكرر كل عام دون ملل، وسيبقى المواطن يراجع الفاتورة بحذر ويُصدم في كل عام من جديد.

قد يعجبك ايضا