
سرابٌ ينعق من خارج الوطن بقلم: جهاد مساعدة
الشعب نيوز:-
الهروب من العدالة لا يُنتج رأيًا، بل صوتًا مذعورًا. فالذين اختاروا الوقوف خارج الوطن لم يخرجوا طلبًا للحقيقة ولا اختلافًا في الرأي، بل انسحابًا من ساحة المساءلة. القرب موضع الاختبار، والبعد مظنّة الإعفاء؛ ومن احتمى بالمسافات البعيدة ليهاجم الوطن ومؤسساته، أعلن إفلاسه قبل كلامه. حيث تُطالَب الحجج، ويُسأل القول عن دليله، وتُحمَّل الكلمة تبعتها، هناك صمتوا؛ فإذا ابتعدوا ارتفعت أصواتهم: صوتٌ عالٍ، ومعنى غائب، وفرارٌ مُقنَّع بالكلام.
السَّراب في لسان العرب ما يُرى ولا حقيقة له؛ يلمع للعين فإذا قُصِد تفرّق، فكان وجودُه وهمًا، وحقيقته عدمًا. ومن هذا الباب جرى استعماله لكلِّ قولٍ يُزيَّن في اللفظ ويخلو من المعنى؛ لأنّ العبرة في التحقيق لا في البريق.
والنعيق ليس من باب القول؛ إذ القول ما أفاد وأقام دليلًا، والنعيق ما علا بلا دلالة. وقد فرّق أهل العربية بين الصوت والبيان؛ فالبيان ما دلّ، والصوت ما ضجّ. ولذلك قال تعالى:
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾،
فجعل السمع بلا علم نعيقًا وإن اشتدّ الصوت.
الكلام لا يثبت إلا بثلاثة: صدقٍ يُواجه، ودليلٍ يُقام، وتبعةٍ تُحمَل. فإن سقط واحدٌ منها انكشف القول. والسراب يسقطها جميعًا: صدقُه دعوى، ودليلُه تلميح، وتبعتُه مُلقاة على غيره؛ فلذلك طال صوته لأنّ وزنه خفيف.
والسؤال ميزانٌ لا يُخطئ؛ فمن ضاق به السؤال ثقل عليه البرهان. ولهذا يُخاصِم السرابُ السؤال؛ لأنّ السؤال يُلزِم التعيين، والتعيين يفضح الإبهام، والإبهام رأس ماله.
وإذا طال النعيق بلا معنى، وتكرّر بلا جواب، واشتدّ الصوت عند غياب الامتحان، انقلب نهيقًا. فالعرب جعلت النهيق غاية الصوت إذا خلا من البيان؛ صوتًا يؤذي السمع ولا يُنشئ معنى. وقد قرّر القرآن هذا الميزان فقال تعالى:
﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾،
فبيّن أنّ علوّ الصوت عند فراغ المعنى منكرٌ في ذاته.
وتتبدّى علامة لا تخطئها الفِطنة: أنّ من ينعق خارج الوطن لا يكتفي بالبعد، بل يستعير اسمًا غير اسمه؛ اسمًا وهميًّا يتقدّم به بدل الوجه. وليس ذلك حيلةً تقنية، بل اعترافًا بالصفة؛ فالاسم قناع المعنى، وما كان صادقًا لم يحتج إلى قناع. الاسم الوهميّ بلسمٌ لإخفاء الرائحة لا لعلاج العلّة، يُعطِّر الرداءة لتُقدَّم رأيًا. والمفارقة أنّ حتى الحمار—على ما فيه—يحمل اسمًا صريحًا لا يستعيره ولا يتخفّى خلفه؛ أمّا من عجز عن حمل اسمه، فقد عجز عن حمل قوله. فالاسم المستعار شاهدُ إفلاسٍ قبل أن يكون ستارًا، ودليلُ عجزٍ واضح.
وهذا بابٌ معروف في القياس: من أفلس من المعنى استكثر من الصوت، ومن خلا من الدليل اشتدّ في الهجوم. فصاروا ينهقون بأعلى أصواتهم، لا ليُقيموا حجّة، بل ليهاجموا الوطن ومؤسساته ورجالاته؛ لأنّ الهجوم عند المفلس أسهل من البرهان، وأرخص من الفهم. فليس نهيقهم غضبَ غيور ولا صراخَ مظلوم، بل علامة عجز؛ إذ لا يملكون من الكلام إلا رديئه، ولا من القول إلا أضعفه. ولو كان عندهم معنى يُحتجّ به، لقالوه حيث تُدفَع الكلفة، لا حيث يُرفع الحساب.
الوطن لا يضيق بالقول المستقيم، لكنّه يلفظ ما يُفسده؛ كما يلفظ اللسانُ ما اعوجّ، وكما يردّ الميزانُ ما اختلّ.
وخاتمة القول: السراب لا يقوم إلا بترك القياس ولا يعيش إلا على فوضى الدلالة؛ فصوته—وإن علا—نعيقٌ لا قول، وإذا طال بلا معنى صار نهيقًا بلا أثر. والمقالات الآتية ستكشف زيفه كشفًا قاطعًا؛ حين يكون الكلام سيفًا، لا صدى.