استقلال 80… ومنطوق الزمان د. حازم قشوع

الشعب نيوز:-

 

في لحظةٍ يحتشد فيها الزمن على أعتاب الوطن، وتتعانق فيها ذاكرة الأرض مع راية السماء، يقف الأردن في عيد استقلاله الثمانين لا ليعدّ السنين، بل ليقرأ منطوق الزمان في سِفر المكان. هنا، حيث لا يُقاس التاريخ بالتواريخ، بل بما خلّفه الإنسان من معنى، تتجلى الحكاية الأردنية بوصفها امتدادًا لحضارةٍ ضاربةٍ في عمق الوعي العربي، صنعت من الصخر رسالة، ومن الجغرافيا قدرًا، ومن الهوية مشروعًا لا ينفصل
فيه الماضي عن الحاضر، ولا ينقطع فيه الأثر عن الرسالة.

إن عرب الأنباط، الذين يُنسبون إلى نابط بن إسماعيل عليه السلام، شكّلوا واحدة من أعظم الحلقات الحضارية في تاريخ العرب، حيث استطاعوا أن يحوّلوا الصحراء إلى مصدر حياة، فاستنبطوا المياه الجوفية، وشيدوا الخزانات، وأقاموا منظومات مائية متقدمة سبقت عصرها. وقد امتدت جغرافيتهم من النيل إلى الفرات، وبلغت ذروتها حين جعلوا من البتراء—المحمية بين الجبال—عاصمةً ومنارةً للعمارة والعمران، تجسّد إرادة الإنسان في تطويع الصخر، كما يظهر في الرقيم والخزنة وقصر البنت وضريح الجرة.

وقد وصفتهم المصادر القديمة بأهل البأس والجبروت، وربطتهم التوراة ببني إسماعيل، فيما تحدث عنهم الآشوريون والبابليون، وكتبوا العربية بحروف آرامية، وازدهرت لديهم الصناعات، من الخزف إلى تجارة القار المستخدم في التحنيط، إلى جانب براعتهم في النحت والهندسة والتخزين، وهي علوم تجلّت في بنائهم وطرائق عيشهم.

امتدت حضارتهم عبر طرق التجارة من مكة إلى غزة، مرورًا بمكاور وأيلة (العقبة)، في فضاء جغرافي واحد، تشكّل عبر تفاعل اللغة والمعرفة. كما تميّزوا بتقدير المرأة، فجعلوا صورتها على عملاتهم، وبنوا دولة مؤسسات ذات هيكليات إدارية متقدمة، وكان ملكهم يُلقب بـ”القائد الرحيم”، في دلالة على العلاقة الإنسانية بين الحاكم والرعية.

وبرع الأنباط في التجارة الدولية، خاصة الحرير والتوابل والأرجوان، وارتبطت مدينتهم باللون الوردي الذي منحها لقب “المدينة الوردية”. كما ارتبطت معتقداتهم بالرمزية القمرية، التي انعكست على رؤيتهم للطبيعة والكون، حيث ارتبط الضوء بالماء والحياة.

وفي عام 1812، أعاد الرحالة السويسري يوهان لودفيغ بركهارت اكتشاف البتراء، لتصبح لاحقًا إحدى عجائب الدنيا الجديدة في عهد جلالة الملك عبدالله الثاني، شاهدةً على عمق الإرث العربي وامتداده عبر الزمن.

ومع التحولات السياسية بعد وفاة الإسكندر الأكبر، برز الأنباط قوةً إقليمية، فتصدروا المشهد في مواجهة السلوقيين والرومان، ووسّعوا نفوذهم في عهد الحارث الرابع، الذي بلغت الدولة في عهده أوجها السياسي والعمراني.

كما برزت لديهم علوم التخزين والغذاء، التي انعكست في بيئتهم وثقافتهم، وصولًا إلى رمزية “الجميد” في المطبخ الأردني، والتي تعبّر عن امتداد حضاري متصل حتى يومنا هذا، حيث يقف الأردنيون حول المنسف كما كان الأنباط يقفون بشموخ حول موائدهم.

ورغم أن دولتهم انتهت سياسيًا على يد الرومان، إلا أن حضارتهم لم تنطفئ، بل بقيت محفورة في الصخر، شاهدةً
على علومٍ ومعارف لا تزال قيد البحث، في مجالات المياه والتخزين والرمزية الروحية، ضمن ما عُرف بعلوم “الريمياء”.

ومن هذا الامتداد، تتشكّل صورة الأردن بوصفه “أردن الرسالة”، حيث لا تنفصل الجغرافيا عن المعنى، ولا التاريخ عن الحاضر، بل يتجسد في نظامه الهاشمي الذي يحمل رسالة الوصل بين المكان والزمان.

فالأردن—أو “الجوردان”—ليس مجرد حدود جغرافية، بل هو فضاء حضاري يمتد من الغور إلى اللد، ومن منابع نهر الأردن إلى مصبه، في سياق تاريخي وديني وثقافي متصل، يربط
بين الديكابوليس شمالًا وحاضنة القدس جنوبًا، مرورًا بعمّان (فيلادلفيا) التي كانت مركزًا لصك العملة وبناء الدولة.

وفي سياق استقلاله الثمانين، يحتفل الأردن بعيد راية الاسقلال بوصفها. رمزًا للمنجز الوطني، الذي أراده جلالة الملك عبدالله الثاني والامير الحسين ولي عهده فى مضمونه ليكون منارةً فكريةً تجمع بين تاريخ الوطن ورسالة الدولة، لتتوحد الهوية الوطنية مع الهوية الملكية، في إطار رسالة سامية تستمد قدسيتها من العلم ومعناها من رايته .

وهكذا، يظلّ الأردن—في عامه الثمانين من الاستقلال—نصًا مفتوحًا على المعنى، لا تُغلق صفحاته عند حدود الجغرافيا، بل تمتدّ في ضمير الأمة كرسالةٍ حيّة، عنوانها الإنسان، ومضمونها البناء، وغايتها الارتقاء. إنه وطنٌ يقرأ تاريخه ليصنع مستقبله، ويحمل رايته ليُعلي شأن رسالته، فتتجدد فيه الحكاية كلما ارتفع العلم، وتنبض فيه الأرض كلما نطق الزمان: هنا الأردن… وهنا تبدأ الحكاية ولا تنتهي.

قد يعجبك ايضا