هل تهاجر المدينة؟سعيد ذياب سليم

الشعب نيوز:-

المدن كالسيدات؛ يحافظن على جمالهن، ويعتنين بنضارة بشرتهن، ويتزيّنّ بالحلي؛ تتدلّى من آذانهن أقراط لامعة، وتزدان أعناقهن بالجواهر، كالنساء تمامًا.
ويحببن أن يهتم بهن رجالهن؛ ينتظرن الهدايا وقبلة الصباح، وينتظرن على جمر عودته مساءً، ليطبع قبلة المساء على خدودهن، حتى لو كان عائدًا عابسا بعد يوم عمل كئيب.
وبعضهن، كبعض النساء أيضًا، يهجرهن رجالهن. ولأن لهن حقًّا في الحب كما عليهم، فلا عجب، إذن، لو رأيت مدينةً مهاجرة، بعد أن ضاقت بأحوال رجالها.
لا فرق في الجوهر بين مدينة شابة وأخرى عجوز؛ فالشابة تحب الأجواء الصاخبة، تراها ساهرة في نوادي الرقص، أو تركض تحت المطر، أو تقف في وجه الريح.
أما العجوز، فتراها في المعابد تسبّح بحمد الخالق، أو في النوادي الثقافية، وقد تجلس طويلًا تتأمل معاركها وما خرجت به من حربها مع الزمن.
والمدن منها الفاتنة اللعوب، والرزينة الوقور، والمخادعة، والغيور؛ هنّ كالنساء تمامًا.
لكن مدينتنا سيدة شرقية خجولة؛ توقظ أبناءها مع الشمس، فيفوح من عباءتها عطر العود، ومن قهوتها الهيل والقرنفل، وتصنع لهم شطائر الجبن وعرائس الزعتر، وتلقّنهم الصلاة، وتحضّر زوّاداتهم، وتوفّر لهم خمير الأرض، تهيّئها لكي ينبت الثمر وتحلو ألوان الزهور.
فإذا خرج الرجال لغاياتهم، تمنطقت سيفها، وحملت رمحها، وركبت جوادها، وأحكمت لثامها على وجهها، فلا يبدو منه إلا عيناها، وانطلقت تجوب الشوارع، وتمشّط الأرصفة، وتتفقّد الساحات.
تنهض بالعاثر، وتعدّل المائل، وتسند الضعيف، وتقيم العدل في الأرض.
وفي جولتها تلك، لا تستخدم سيفها الفولاذي إلا في وجه عدو؛ تلوّح بعباءتها لترمّم خافقًا كُسر، أو تمرّ أناملها كالنسيم، فتردّ طفلًا ضالًا إلى حجر أمه.
حتى إذا غابت الشمس، عادت إلى بيتها، وخلت إلى نفسها، وخلعت لثامها المقاتل، وجلست عند شرفة الجبل، مطلّةً على الصحراء، تلثم وجهها نسمات الليل، وتعدّ نجومه واحدةً واحدةً، مطبّطةً على كتف كل حارة نامت على حلم.
تمد عنقها إلى السماء، تبرق في جيدها اللآلئ، تتمايل بين عشاقها بدلال
تحملها يد الشوق، فتسير بين الناس، تسمعهم يتسامرون، ويبثّ بعضهم بعضًا شكواه، ويصبّر أحدهم الآخر. تمسح عن حجارتها الحزن، مثلما تمسح الدمع عن وجوه الصبايا.
وتحفظ التاريخ على جدران البيوت القديمة، وعلى الأعمدة وأقواس النصر، وتتركه حيًّا في القلوب، حتى لا يندثر أو يُنسى.
لكن مدينتنا اليوم تشعر بالغربة؛ يثقل صدرها تزاحم الناس، ويكتم أنفاسها اضطرابهم، وتوتر أعصابهم بين ما يرغبون وما يستطيعون تحقيقه.
تتعثّر إذا مشت كما اعتادت أن تمشي من قبل، ترى الريح تعبث بأوراق الشجر الجافة وقصاصات الورق، تحملها، ثم تلقي بها في أحواض النوافير ومجاري الماء؛ ولا ينتبه لذلك أحد. ويحزنها أن ترى عصفورًا يبحث عن عشه، وقد كان على غصن شجرة اقتُلعت عبثًا.
تجلس مدينتنا بجوار امرأة عجوز، تتحدثان عن مدن سافرت ولم تعد؛ أين اختفت «إرم» و«مدينة النحاس» المسحورة؟ وأين ذهبت «إلدورادو»، مدينة الذهب؟ في أي غابة ضلّت طريقها؟ حتى إننا ما عدنا نصدق بوجودها!
ولماذا تتحدث مدينتنا عن المدن المهاجرة؟
أكانت تفكر، في لحظة تعب، أن تطوي عباءتها، وتغادر هي الأخرى؟
نظرت إليها العجوز، ومسحت على سورها القديم بكف حنونة، ثم قالت بهمس:
— المدن يا ابنتي لا تضيع في الغابات، ولا تذوب في الصحارى… المدن تموت فقط حين ينسى أهلها كيف يحبونها.
تأوهت مدينتنا، ومرّ بخاطرها كيف تحوّل عنها بعضهم، يبدّلون حبها بمدن بعيدة، شقراوات، هيفاوات، زرق العيون.
— ماذا أصنع يا خالة؟ هل ينفع في حالتي نفخ شفتي، وصبغ شعري، وارتداء الشفيف، كما تفعل المدن خلف المحيط؟
— أنت جميلة سمراء يا ابنتي! تغنّى بك الشعراء، ناضجة، تحلّق حولك الحكماء، قوية، يحيط بك الرجال كالسوار حول المعصم، رشيقة، تراقصين الريح… فلا تبالي بصدّهم، سيعودون؛ فلا أحنّ من حضنك. وهل تهجر الأم أبناءها؟
ابتسمت مدينتنا، وتنهدت بصوت أزاح الغبار عن الطرقات. تناولت كوب الشاي من يد العجوز، رشفت رشفة وابتسمت، ولاعبت قوس الربابة، وتغنّت بالهجيني والقصيد. خلعت هموم النهار، وعدّلت لثامها، ثم عادت تنظر إلى النائمين في بيوتهم بصفاء.
وحين أقبل الصباح، كانت عند أبوابهم؛ توقظ أبناءها مع الشمس، وتصنع لهم قهوتهم وشطائر الجبن وعرائس الزعتر، وتستعد لاستقبال يوم جديد.
سعيد ذياب سليم

قد يعجبك ايضا