
من الرجمة إلى تل أبيب وأبوظبي.. ناصر عمار يحذر من جولة جديدة من الصراع الإقليمي
الشعب نيوز:-
طرابلس – حذّر المحلل السياسي الليبي ناصر عمار من أن المنطقة تقف أمام مرحلة سياسية وأمنية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها التطورات الليبية مع التحولات في إسرائيل والخليج، في ظل تغير موازين القوى وتزايد احتمالات إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية.
وفي قراءة نشرها عمار على صفحته الرسمية في موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، رأى أن المشهد الممتد من الرجمة إلى تل أبيب وأبوظبي يعكس تداخل ملفات محلية وإقليمية قد تدفع المنطقة إلى جولة جديدة من التوتر، مع تضاؤل قدرة بعض الأطراف على إدارة الأزمات بالآليات التقليدية.
الرجمة.. حسابات تتغير
وبحسب عمار، فإن الحسابات داخل معسكر الرجمة تبدو أكثر تعقيداً مما كانت عليه في السابق، إذ إن ما كان يُنظر إليه باعتباره ترتيبات لتثبيت موازين السلطة يواجه، وفق قراءته، اختبارات جديدة على خلفية تطورات أمنية وسياسية متلاحقة.
ويربط عمار ذلك بما يصفه بانكشاف ملفات وشبكات أمنية، إلى جانب قضية خلية الزاوية، التي يرى أنها تفتح أسئلة أوسع بشأن طبيعة الشبكات التي تتحرك داخل ليبيا، والجهات التي تقف وراءها، وما إذا كانت القضية ستبقى في إطارها الأمني والقضائي أم ستتحول إلى عنصر إضافي في الصراع على النفوذ.
وتأتي هذه القراءة في وقت سبق أن تناول فيه عمار، عبر منشوراته وتصريحاته، تطورات مرتبطة بمعسكر الرجمة والتفاعلات السياسية والأمنية في الجنوب الليبي.
تل أبيب.. الانتخابات تضغط على المشهد السياسي
وفي الجانب الإسرائيلي، يرى عمار أن المشهد السياسي يدخل مرحلة أكثر حساسية مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، في ظل تحركات داخل صفوف المعارضة ومحاولات تشكيل اصطفافات سياسية جديدة.
ويشير في هذا السياق إلى أسماء بارزة بينها يائير لبيد، غادي آيزنكوت، نفتالي بينيت، أفيغدور ليبرمان ويائير غولان، معتبراً أن تعدد القوى والشخصيات المنخرطة في المشهد الانتخابي يضع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أمام اختبار سياسي جديد.
ويؤكد عمار أن تطورات الحرب وتداعياتها الإقليمية ستظل عاملاً مؤثراً في الحسابات السياسية الإسرائيلية، بينما تبقى نتائج أي تحالفات انتخابية مرتبطة بتطورات الداخل الإسرائيلي ومواقف الناخبين.
أبوظبي.. ارتدادات اقتصادية وأمنية محتملة
وفي ما يتعلق بالإمارات، يطرح عمار احتمال تعرض أبوظبي لضغوط اقتصادية وأمنية أكبر في حال اتساع نطاق المواجهة الإقليمية.
ويستند هذا الطرح إلى احتمال أن تؤدي حرب طويلة في الخليج إلى التأثير في حركة التجارة والاستثمار وأسواق الطاقة، فضلاً عن ارتفاع تكاليف النقل والتأمين وتزايد المخاطر المرتبطة بالممرات التجارية والمنشآت الحيوية.
لكن عمار يرى أن حجم التداعيات المحتملة سيظل مرتبطاً بطبيعة أي مواجهة ومدتها ونطاقها، وبمدى امتدادها إلى الدول والمنشآت والممرات الحيوية في المنطقة.
ولا يحصر عمار تداعيات المشهد في الإمارات وحدها، بل يربطها بشبكة أوسع من التفاعلات الإقليمية، تمتد، وفق قراءته، من ليبيا والسودان إلى اليمن والقرن الأفريقي، حيث تتقاطع مصالح القوى الإقليمية والدولية مع صراعات محلية متعددة.
ثلاث عواصم.. وأسئلة مفتوحة
ويضع عمار المشهد أمام مجموعة من التساؤلات المتعلقة بمستقبل التوازنات الإقليمية: هل يستطيع نتنياهو تجاوز الاختبار السياسي المقبل؟ وهل تتمكن القوى المرتبطة بالتحالفات الإقليمية الحالية من الحفاظ على مواقعها في ظل تغير موازين القوى؟ وهل تستطيع أبوظبي احتواء التداعيات الاقتصادية والأمنية في حال اتساع رقعة التصعيد؟
ويرى أن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تنفصل عن طبيعة التحولات التي تشهدها المنطقة، خصوصاً مع تداخل الملفات الليبية والإسرائيلية والإيرانية والخليجية.
الخليج أمام معادلة حساسة
ويحذر عمار من أن اندلاع مواجهة واسعة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة قد يضع دول الخليج أمام معادلة شديدة الحساسية، خصوصاً إذا امتدت المواجهة إلى منشآت الطاقة والممرات التجارية.
وبحسب قراءته، فإن انتصار أي طرف في مواجهة واسعة قد يؤدي إلى تغيير كبير في موازين القوى، فيما قد يفرض استمرار الحرب من دون حسم واضح تكاليف اقتصادية وأمنية مرتفعة على المنطقة بأكملها.
وفي المقابل، فإن عمار لا يرى أن دول الخليج تفتقر إلى أدوات التعامل مع مثل هذه الأزمات، إذ تمتلك، وفق تقديره، أدوات اقتصادية ودبلوماسية وأمنية يمكن توظيفها لتقليل تداعيات أي تصعيد محتمل.
هل تعود المنطقة إلى سيناريو 2019؟
ويستحضر عمار سيناريو التصعيد الذي شهدته المنطقة عام 2019، عندما تعرضت منشآت ومصالح حيوية لهجمات انعكست على الحسابات السياسية والأمنية لدول المنطقة.
ويرى أن إعادة إنتاج مثل هذا السيناريو في عام 2026 قد تكون أكثر تعقيداً، بسبب تشابك ملفات غزة وإيران والخليج وليبيا والسودان واليمن، وتغير طبيعة البيئة الإقليمية والدولية.
وفي هذا السياق، يشدد عمار على ضرورة التمييز بين المعلومات الموثقة وبين التحليلات السياسية، خصوصاً في ما يتعلق بما يتردد عن وجود خطط أمريكية تستهدف إيران أو اقتصادات الخليج، وكذلك الأرقام المتداولة بشأن الأموال أو الترتيبات المالية بين واشنطن ودول الخليج.
التحركات العسكرية.. مؤشر لا يعني بالضرورة الحرب
كما يتوقف عمار عند التحركات العسكرية الأمريكية في منطقة الخليج، وما قد يرافقها من نقل قوات أو معدات ومنظومات دفاعية.
ويرى أن تأكيد أي عمليات انتشار إضافية سيكون مؤشراً على ارتفاع مستوى الاستعداد العسكري، لكنه لا يعني بالضرورة أن قرار الحرب قد اتُخذ أو أن مواجهة جديدة أصبحت حتمية.
من الرجمة إلى تل أبيب وأبوظبي
ويخلص عمار إلى أن المنطقة تقف أمام مفترق طرق بين خيار احتواء التصعيد عبر ترتيبات سياسية وأمنية جديدة، وخيار الانزلاق إلى مواجهة أوسع قد يصعب التحكم في نتائجها.
ومن وجهة نظره، فإن ما يجري في الرجمة وتل أبيب وأبوظبي لا يمكن قراءته باعتباره ملفات منفصلة، بل ضمن بيئة إقليمية تتغير فيها التحالفات وموازين النفوذ.
ويشير إلى أن ما يمكن وصفه بـ«الخطة ب» ــ أي محاولة إنتاج تسوية سياسية انطلاقاً من واقع تصعيد عسكري ــ قد يصبح أحد السيناريوهات المطروحة، وإن كان نجاحه سيبقى مرتبطاً بقدرة الأطراف المعنية على إعادة صياغة حساباتها.
وبحسب عمار، فإن الفارق بين بيئة عام 2019 وواقع عام 2026 يكمن في اتساع دائرة الملفات وتشابكها وتعدد مراكز القوة، وهو ما يجعل أي محاولة لإعادة إنتاج الترتيبات السابقة أكثر صعوبة.
ومن هنا، يرى أن اجتماع الأطراف المتضررة من التحولات الراهنة لن يكون كافياً وحده لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، في ظل تغير المعادلات التي صنعت نفوذ السنوات الماضية ودخول المنطقة مرحلة أكثر سيولة وتعقيداً.