عشر نوافذ حجرية سعيد الصالحي

الشعب نيوز:-

 

لم أجد جسورًا عشرة، بل وجدت عشر نوافذ بلا زجاج ولا ستائر، وحبلًا حجريًا يشدّ شمال المدينة إلى جنوبها، وسكة حديد نجت بصعوبة من جامعي الخردة والمعادن، كما نجت قبل ذلك من حصار الإنجليز في مطلع القرن الفائت.

ذلك الجسر الحجري الصغير، الصامد حتى اليوم في جنوب شرق عمّان، ما يزال يعلو فوق الصخب والضوضاء، ويربط تلال المدينة ببعضها، لكنه يفعل ذلك كمن يصل بين مكانين لم تعد هناك حاجة حقيقية لوصلهما أصلًا.

لم يكن مهندسو ذلك الزمن يعرفون أن هذا الجسر سيصبح مع الأيام أشبه بزائدة دودية في جسد المدينة؛ يمكن لعمّان أن تعيش من دونه دون مضاعفات تُذكر، بعدما فقدت السكة والقطارات معناهما القديم، وصارت المدينة تركض خلف أشياء أخرى لا علاقة لها بالانتظار ولا بالسفر البطيء.

والمفارقة أن هذا الأثر يقف وحيدًا تقريبًا، بلا إخوة من الحجارة حوله، ولا معالم أثرية أخرى تشبهه كما يحدث في مواقع المدينة القديمة. يبدو كحرف عطفٍ ضلّ طريقه، ولم ينجح يومًا في تشكيل جملة كاملة.

هذا الجسر، بنوافذه المفتوحة، يشبهنا أكثر مما ينبغي.
قلبه مشرّع للجميع، وذراعاه ممدودتان فوق أكتاف من يستحق ومن لا يستحق. جسر طيب أكثر من اللازم، يؤدي وظيفته القديمة بإخلاص رغم أن المدينة نفسها لم تعد تنتظر وصول القطار.

وعندما تتأمله طويلًا، تكتشف أن المشكلة ليست في الجسور، بل في الذين لا يعرفون كيف يستخدمونها. فما حاجتنا إلى أي جسر إن كان لا يقودنا إلى ما نحب، أو لا يربطنا بمن نشتهي الوصول إليهم؟ وما جدوى أن نكون جسورًا لغيرنا، نذلل لهم الطرق ونحمل عنهم بعض أثقالهم، ثم نعبر من حياتهم كأننا لم نكن؟
وربما، وأنا أتحدث عن هذا الجسر، لا أستطيع أن أخفي رأيي بمن بناه.
فعلى الرغم من أن حجارته من أرضنا وترابه من هذه البلاد، إلا أنه ما يزال يحمل ظلّ ضيف ثقيل لم يفهم المكان الذي أقام فيه، ولم يتعلم شيئًا من ينابيع عمّان التي قاربت على الجفاف، ولا من أشجارها التي كانت، يومًا ما، تحفظ للناس ظلّهم وذكرياتهم.

قد يعجبك ايضا