
بيت وشجرة وسارية.. سعيد ذياب سليم
الشعب نيوز:-
جاءت من بلاد الضباب والمطر، تتمتع بأعصاب باردة، كأجواء مدينة لندن.
كانت تمرر أصابعها فوق وجهها ببطء، كمن يتحقق من ثبات قناع تلبسه.
طبقة خفيفة من الأصباغ تُعيد ترتيب الملامح، وظلّ مشمشي تحت العينين يخفف ما لا يُخفف.
وفي ملابسها الواسعة، كانت تختبئ سنوات كاملة من الغربة، كأن القماش يتكفّل بخداع العالم.
في غرفة الجلوس التي تفوح منها رائحة الطفولة وصدى ألف ضحكة وضحكة، قالت وهي تراقب شقتها اللندنية عبر الهاتف :
ـــ لن يبقى أحد هنا بعدكما يا أبي… ما فائدة أن يظل البيت مغلقًا؟
قالتها بتؤدة أوجعت قلب والدها، ثم انشغلت بتعديل كمّ معطفها.
نهض الوالد العجوز من أريكته، سمع اصطكاك مفصليه، تأوه آهة عميقة، تحامل على نفسه، مستندا في طريقه على ما يجد من أشياء، حتى وصل إلى الشرفة.
أول ما صافح ناظريه، شجرة السرو العتيقة، التي غرسها بيديه حين كان طفلًا.
مدّ عنقه ليرى خارج الظل، هناك على المفترق كان ينتظر أصدقاءه للذهاب إلى المدرسة، تتبّع الشارع حيث سارت خطواتهم، وحيث غرزت في الطين أرجلهم قبل نصف قرن.
مازال يذكر كل زاوية في هذا الشارع، الذي تداخلت ملامحه في عينيه العجوزتين، كما تبدو من خلف زجاج بلّله المطر. يذكر سكانه جميعًا: من ظل متشبثًا بالمكان، ومن رحلوا عنه.
المشاوير الصيفية، في المساء قبيل الغروب، وفي مواسم المطر، تحت رذاذه اللطيف.
كانت ابنته تركض أمامه بشقاوة، بعد أن تعلمت السير دون مساعدته، أو تركب دراجتها على الرصيف محاولةً اللحاق بأخيها.
عمره منثور على ذرات هذا الطريق. سحب نفسا عميقا، أسكرته رائحة الليمون المنبعث من الشجرة التي زرعها قبل عقود، اغرورقت عيناه بالدمع فتداخلت المناظر خلف دموعه.
ألقى بجسده المنهك على المقعد القريب، كان يشعر بدقات قلبه تتسارع، كأنه سيقفز من صدره.
ـــ قاربت السفينة على الغرق… قفز البحارة إلى الموج، كل لاذ بنفسه. ظنوا أن الخلاص في المنافي، ولم يدركوا أنهم يتركون الحصن الوحيد الذي يحميهم. ولم يبقَ على سطحها إلا القبطان.. وذكرياتهم التي تركوها وراءهم.
ابتسم بحزن. لم يكن البيت مجرد جدران؛ كان “الوطن” الذي أفنى عمره يرسخه في عقولهم. كان يحاور ليله، ويعيد على مسمعه كيف بناه خطوة خطوة، طابقًا فوق طابق، ليكون عصياً على عوادي الزمن، وكيف أراد لهم استقراراً أبدياً تحت هذا السقف.
انتبه لمن يخاطبه وقد فاجأته زوجه العجوز:
ـــ تناول دواءك يا حاج.
تناول من علبة الدواء حبتين، وجرع الماء من الكوب الذي بيد زوجته، ثم نظر في عينيها وقال بنبرة مريرة:
ـــ أرأيتِ يا رفيقتي؟ أمضينا العمر نسيّج هذا البيت لنحميهم من العالم، فجاءوا اليوم ليبيعوا الحصن ويتركونا للعراء.. هل ستتركِ القبطان وحده في السفينة؟
وضعت يدها برقة على كتفه، وقالت بهدوء يحمل ثقل السنين:
ـــ نحن البيت يا حاج.. لكنك لم تتركهم يوماً ليكونوا هم البيت.
ـــ كنت الحارس على هذا الإرث.
بعد عشاء دسم، وفق وصفات عتيقة، وطقوس تقليدية، تناولت الابنة منه لقم قليلة، كي لا تفسد روتينها الغذائي.
عرضت الابنة مشروعها الذي تنوي إطلاقه في لندن، وما يحمله من فرص نجاح كبيرة لأبناء الجالية، لكنها تحتاج مبلغًا يرفد مؤسستها الناشئة.
قاطعها الأب بقوله:
ـــ أنا لن أبيع البيت وأنا حي. وسيبقى الخندق الأخير لك ولأخيك تقفان به في وجه عوادي الزمن.
ردت:
ـــ يا أبي، العالم تغيّر… الناس لا يعيشون بهذه الطريقة بعد الآن.
ـــ العالم يتغير كل يوم… أما البيت فلا يجوز أن يتغير.
صمت طويلًا، وارتجفت يداه فوق الطاولة ببطء.
ثم قال كمن يحدث نفسه:
ـــ لن ألقي سلاحي… لن أستسلم .
انسحب إلى غرفته، وجلس أمام مكتبه، يفتح الأدراج، ويعبث بمحتوياتها.
أشياؤه الثمينة، سلاحه القديم، وأشياء تركها أبناؤه منذ زمن.
دمية صغيرة، تناولها فسقطت يدها، فأعاد تركيبها ووضعها في صندوقها الخاص.
ثم تناول كراسة رسم قديمة لابنه في المدرسة الابتدائية، على صفحة من صفحاتها كان قد رسم بيتا وشجرة كبيرة وسارية تعلوها راية صغيرة ترفرف فوق السطح، وأمام البيت رسم أبيه يمسك يده وفي الأخرى يد أخته.
وابتسم بحزن، ثم تعلقت عيناه بالسارية، وانطفأت الدنيا ببطء.