
معذرة… نحن دولُ عالمٍ ثالث. د.حازم قشوع
الشعب نيوز:-
هذه هي الحقيقة التي ينبغي أن نمتلك شجاعة فهمها، لا للهروب منها، بل للتعاطي معها بواقعية سياسية تُمهّد لتغييرها. فهي ليست مجرد توصيف عابر، بل تعبير عن مستويات منهجية في بنية المجتمعات، تشكّلت عبر عقود، ولم تأتِ فقط من تصنيفات سياسية أو اقتصادية وُلدت في منتصف القرن الماضي، بل من منظومات ترسم أدوار الدول وتتعامل معها على هذا الأساس. إنها حالة كامنة في جوهر الطريقة التي نُدير بها واقعنا ونصوغ بها مستقبلنا.
سيكون من الصعب—إن لم يكن مستحيلًا—أن تحمل دولة عربية أو أفريقية أو آسيوية كأس العالم فى الظرف الراهن حتى وإن نظّمت البطولة بإتقان يفوق غيرها كما فعلت قطر . وليس ذلك لنقصٍ في المواهب، ولا لغياب الاستعدادات، بل لأن مراكز القرار في المنظومة الدولية—بما فيها الرياضة—لا تزال تُدار بمنطق الاعتراف المسبق، لا بمنطق تكافؤ الفرص. فالناجح في كثير من الأحيان “مُقرَّر” قبل أن يُنافس، والبقية مدعوون للمشاركة… لا للتتويج حتى لو كان لدينا منتخب مصرى بعنوان عالميه صلاح ومنتخب مغربي يحمل شارته اشرف حكيمي .
وهنا تكمن المعضلة: نحن نُشارك، لكننا لا نُقرّر. نحضر، لكننا لا نُؤثّر. نُصفّق للإنجاز حين يقع، لكننا لا نملك أدوات صناعته. فنظل في موقع “المشارك” لا “الشريك”، وفي منزلة من يدخل المحافل الدولية—حتى المونديالية منها—تحت شعار “شرف المشاركة”، لا أكثر.
نحن—بلا مواربة—دولُ عالمٍ ثالث، لا لأننا عاجزون، بل لأننا لم نبنِ بعد منظومات تُحوّل القدرة إلى إنجاز مستدام. وهذه الحقيقة لا يُغيّرها خطابٌ إعلامي متفائل، ولا انتصارٌ عابر، ولا لحظة حماس تُرفع فيها الأعلام وتُعزف فيها الأناشيد. فالتقدم لا يُقاس بلحظات الوهج، بل يُبنى بالتراكم، ويترسّخ بالمؤسسات، ويُصان بالمعرفة.
سيبقى المجتمع الدولي ينظر إلينا من هذا المنظار، ما دمنا نُصرّ على إدارة واقعنا بعقلية ردّ الفعل، لا بصناعة الفعل؛ ما دمنا ننشغل بالصورة أكثر من الجوهر، وبالإنجاز اللحظي أكثر من البناء الاستراتيجي، ونُراكم الشعارات بدل أن نُراكم المعرفة.
إن الفارق الحقيقي بيننا وبين الدول المتقدمة لا يكمن في الموارد، ولا في العقول، بل في القدرة على بناء منظومات متكاملة تُدير هذه الموارد وتُطلق هذه العقول. هناك حيث تتحول الموهبة إلى مؤسسة، والفكرة إلى مشروع، والإنجاز إلى ثقافة.
لذلك، فإن الاعتراف بأننا دول عالم ثالث ليس هزيمة، بل بداية وعي. والوعي—إن صَحَّ—هو الخطوة الأولى نحو التغيير. أما الاستمرار في إنكار الواقع، فلن يُنتج إلا مزيدًا من الدوران في الحلقة ذاتها، حيث نشارك… دون أن نصل، ونحلم… دون أن نبني، ونُصفّق… دون أن نُغيّر ويتعامل معنا بيت القرار على هذا الاساس .