الحسين.. الرياضة لغة سيادة د. حازم قشوع

الشعب نيوز:-

 

لم تعد الرياضة في عالم اليوم مجرد منافسة تُحسم داخل المستطيل الأخضر، بل غدت أداة من أدوات السياسة الحديثة، وذراعًا ناعمًا يُعاد من خلالها تشكيل العلاقات بين الدول،
بعيدًا عن صخب الخطاب السياسي وحدّة الصراع المباشر. وفي هذا السياق، يبرز مفهوم دبلوماسية الرياضة بوصفه أحد أهم مسارات “الإصلاح السياسي الناعم”، حيث تتقاطع القيم الأخلاقية مع المصالح الاستراتيجية، وتتحول الملاعب إلى منصات لإعادة تعريف العلاقات الدولية، بل وقيم المواطنة بشكل مختلف، قائم على الولاء والانتماء، بما يعزز الهوية الوطنية الجامعة ويصون المكتسبات عبر الاستثمار في الموارد البشرية الواعدة.

لم يعد هذا المفهوم حبيس التنظير، بل تجسّد في أحداث واقعية يمكن وصفها بـ التحولات الرمزية الكبرى وعلامات التأثير الماثلة، ومن أبرزها صفقة انتقال النجم المصري محمد صلاح إلى نادي طرابزون سبور التركي. فهذه الخطوة، إذا ما قُرئت خارج إطارها الرياضي الضيق، لا تمثل مجرد انتقال لاعب، بل تعكس تحولًا في هندسة العلاقة بين القاهرة وأنقرة، وتكشف عن توظيف واعٍ للرياضة كأداة لإعادة بناء الجسور بين شعبين ودولتين…

إن “صلاح الرياضة” هنا يتجاوز فكرة النزاهة أو التنافس، ليصبح صلاحًا للعلاقة السياسية ذاتها. فمحمد صلاح، القادم من تجربة أوروبية حافلة بالإنجازات مع نادي ليفربول، وبما يحمله من رمزية جماهيرية عربية وعالمية وازنة، يتحول إلى “سفير شعبي” غير رسمي، قادر على اختراق الحواجز النفسية التي بنتها سنوات التوتر بين مصر وتركيا. وعندما ينتقل هذا الرمز إلى أحد أبرز الأندية التركية، فإن الرسالة لا تُقرأ في المدرجات فقط، بل تمتد إلى دوائر القرار أيضًا، وهو ما يبرز الاهتمام السياسي التركي بهذه الصفقة.

لقد شهدت العلاقات المصرية–التركية منذ عام 2013 حالة من القطيعة الحادة، تجلت في صراعات غير مباشرة عبر ملفات إقليمية مثل ليبيا وشرق المتوسط، وفي تنافس واضح على النفوذ داخل المجال العربي. غير أن التحولات الإقليمية والدولية، وتراجع جدوى الصراع المفتوح، دفعت الطرفين إلى إعادة حساباتهما، والانتقال نحو منطق البراغماتية وإدارة الخلاف.

وفي هذا السياق، تأتي صفقة صلاح كأكثر من حدث رياضي كونها تحمل إشارة سياسية ناعمة إلى تشكيل مرحلة جديدة عنوانها التهدئة المدروسة والتقارب المحسوب. فبينما تتحرك الدبلوماسية الرسمية بخطوات بطيئة، تتحرك الرياضة بسرعة أكبر، وتصل إلى عمق المجتمعات دون حواجز. وهنا تتجلى دبلوماسية الرياضة في أقصى صورها، حيث تتحقق جملة التطبيع الشعبي التى تسبق التطبيع السياسي.

غير أن هذا الحدث لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي الأوسع فتركيا تسعى إلى إعادة تموضعها داخل المنطقة بعد سنوات من التمدد الصدامي، فيما تعمل مصر على تثبيت دورها كمركز ثقل عربي. وفي هذا التقاطع، تصبح الرياضة أداة منخفضة الكلفة وعالية التأثير، تُستخدم لفتح الأبواب دون إثارة حساسيات مباشرة ..وفي المقابل تراقب قوى إقليمية ودولية هذا التحول بعناية،فالسعودية وتحالفاتها، والإمارات وائتلافاتها، تمضيان في بناء منظومات رياضية عالمية تعزز النفوذ وتعيد تشكيل الصورة الدولية، بينما تدعم الولايات المتحدة مسارات التهدئة بما يخدم مصالحها الاستراتيجية، وترى إسرائيل في هذا التقارب فرصة لتوسيع دوائر الاندماج الإقليمي بوسائل غير مباشرة عبر عنوان إتلافها .

وضمن هذا المشهد المعقد، يبرز الدور الأردني برؤية مختلفة، حيث يعمل الحسين ولي العهد، على رسم ملامح مشروع رياضي وطني يحمل هوية “النشامى”، ويعتمد على الاستثمار في مواهب “المنظومة الرياضية” وبناء منظومة احترافية متكاملة تحوى على برامج اعداديه لطواقم المدربين وللحكام والفنيين كما لاعبين وتدعم الامير على لاخذ مكانه مميزه فى المنظومه الدواية ويأتي هذا التوجه في سياق رؤية الملك عبد الله الاستراتيجية التى تهدف للحفاظ على توازن الأردن الإقليمي، وتعزيز أدواته الناعمة في ظل تشكل تحالفات وائتلافات جديدة في المنطقة.

إن المشروع الرياضي الأردني، في هذا الإطار، لا يُنظر إليه كقطاع ترفيهي فحسب، بل كأداة استراتيجية تُسهم في
بناء القوة الناعمة، من خلال تطوير البنية التحتية، وصقل المواهب وتعزيز التسويق الرياضي وإنشاء شراكات استثمارية محليه ودوليه قادرة على تحويل الرياضة إلى رافعة اقتصادية وسياسية في آن واحد. وهذا ما يتقاطع مع ما طرحته في كتابي “وطن النجوم والهندسة السياسية”حيث تصبح الرياضة جزءًا من معادلة أوسع تُدار ضمن حرب ناعمة بأدوات جماهيرية، يتداخل فيها الأداء الرياضي مع الرسائل السياسية وتتحول فيها النجومية إلى نفوذ، والجماهير إلى قوة تأثير.

فإن رؤية الحسين، حال لسانها يقول إن الرياضة اليوم لم تعد مجرد لعبة، بل غدت لغة سيادة تُكتب بها ملامح المرحلة المقبلة، ويُستثمر أثرها على الجوانب السياحية بشكل خاص، وعلى الواقع الاقتصادي بشكل عام. وبين هدف يُسجل في الملعب، ورسالة تُفهم في السياسة، تتشكل معادلات جديدة تعيد رسم التوازنات في الإقليم، الذي يُعاد تشكيل سماته وبناء تحالفاته وائتلافاته عبر بوابة الدبلوماسية الشعبية…فالرياضة اليوم لم تعد مجرد منافسة ترفيهية، بل غدت مشروع نفوذ، وأداة تأثير، ولغة سيادة.

قد يعجبك ايضا