من إدارة الأزمة إلى إنهائها.. المنفي يضع رؤية ليبيا أمام الأمم المتحدة

الشعب نيوز:-

 

نيويورك – وضع رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة تصوراً يقوم على الانتقال من إدارة الأزمة الليبية إلى إنهائها، مؤكداً أن الطريق إلى بناء الدولة يمر عبر استعادة إرادة الشعب، وإنهاء المراحل الانتقالية من خلال الانتخابات والاستفتاءات والآليات الدستورية والقانونية.

وفي خطاب حمل رسائل سياسية وسيادية متعددة، شدد المنفي على أن الشعب الليبي هو مصدر الشرعية، وأن التسويات المؤقتة والصفقات السياسية الهشة لا يمكن أن تحل محل إرادته، داعياً إلى جعل العملية السياسية مدخلاً لإعادة بناء مؤسسات الدولة على قاعدة الشرعية الشعبية والقانون.

لجنة وطنية للتهدئة وبناء الثقة

وفي أبرز المبادرات التي أعلن عنها من على منبر الأمم المتحدة، كشف رئيس المجلس الرئاسي عن إطلاق العمل على لجنة وطنية للتهدئة وبناء الثقة، بهدف استباق النزاعات واحتواء التصعيد ودعم مسار المصالحة، إلى جانب المساهمة في تهيئة بيئة أكثر أمناً للعملية السياسية والانتخابية.

ويأتي هذا الطرح في سياق مسار دولي يؤكد، منذ سنوات، ضرورة أن تكون التسوية السياسية في ليبيا بقيادة الليبيين وملكيتهم، مع دعم الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لها. وكان مجلس الأمن قد شدد في قراره 2796 لعام 2025 على سيادة ليبيا ووحدتها، وعلى ضرورة دفع عملية سياسية «ليبية القيادة والملكية» تفضي إلى انتخابات وطنية وتوحيد المؤسسات.

«الملكية الوطنية خط أحمر»

وفي ملف العلاقة مع المجتمع الدولي، رسم المنفي حدوداً واضحة لدور الوساطة الدولية، مؤكداً أن الملكية الوطنية للعملية السياسية خط أحمر، وأن الوساطة لا ينبغي أن تتحول إلى وصاية أو إلى آلية لصناعة حلول لليبيا من الخارج.

وقال إن سيادة ليبيا تعني أن يكون القرار الوطني حراً، وأن تكون مؤسسات الدولة أقوى من الأشخاص والجماعات، وأن يخضع السلاح للقانون، فيما تبقى الثروة الوطنية ملكاً للشعب.

كما شدد على مبدأ المساءلة، مؤكداً أنه «لا أحد فوق القانون ولا إفلات من المساءلة»، ومشيراً إلى أن المال الفاسد والنفوذ غير المشروع يمثلان تهديداً للدولة ومؤسساتها من الداخل.

ودعا المنفي مجلس الأمن إلى متابعة ما يرد في تقارير فريق الخبراء من انتهاكات وحالات عدم امتثال، والنظر بجدية في توصياته واتخاذ الإجراءات اللازمة، بعيداً عن الانتقائية أو ازدواجية المعايير.

لا استبدال نفوذ بنفوذ

وعلى صعيد العلاقات الخارجية، طرح رئيس المجلس الرئاسي رؤية تقوم على إعادة تعريف علاقة ليبيا بالقوى الدولية والإقليمية.

وقال إن بلاده لا تريد «استبدال نفوذ بنفوذ، ولا محوراً بمحور، ولا تبعية بتبعية»، داعياً الدول إلى التنافس داخل ليبيا في مجالات الاستثمار والإعمار والطاقة والتنمية، بدلاً من التنافس على النفوذ داخل مؤسساتها.

وأكد أن الحليف الحقيقي لليبيا، وفق هذا التصور، ليس من يبحث عن أقوى طرف داخل البلاد، وإنما من يدعم قيام دولة ليبية قوية، فيما يكون الشريك الحقيقي هو من تتوسع مصالحه كلما أصبحت ليبيا أكثر وحدة واستقراراً وازدهاراً.

وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة في ظل استمرار الجهود الدولية الرامية إلى معالجة الانقسام السياسي والمؤسسي في ليبيا، حيث ما تزال الأمم المتحدة تؤكد أهمية توحيد المؤسسات وإجراء انتخابات وطنية شاملة.

ليبيا من إفريقيا وإلى المتوسط

ولم يقتصر خطاب المنفي على الداخل الليبي، بل وضع البلاد ضمن محيطها الإفريقي والمتوسطي.

وأكد أن أمن الساحل جزء من الأمن الليبي، مشدداً على أن ليبيا «ليست على حدود إفريقيا بل من إفريقيا»، وأن أمن القارة وتنميتها يمثلان استثماراً في الأمن المشترك لإفريقيا ودول الجوار الأوروبي.

وفي ما يتعلق بالمتوسط، قدم المنفي تصوراً له باعتباره مساحة للتنمية والتجارة والطاقة والاستثمار والأمن المشترك، وليس مجرد خط فاصل بين إفريقيا وأوروبا أو فضاءً لإدارة ملف الهجرة والأزمات.

بهذا الطرح، تسعى ليبيا إلى الانتقال من موقع الدولة التي تُناقش أزماتها في المحافل الدولية إلى دولة تطرح نفسها شريكاً في ملفات الأمن والتنمية والطاقة والتجارة في فضائها الإقليمي.

تضامن مع السعودية وموقف من فلسطين

وفي البعد الإقليمي، أكد رئيس المجلس الرئاسي تضامن ليبيا الكامل مع المملكة العربية السعودية في ما يتعلق بأمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها ومقدساتها، معتبراً أن أمن المملكة والخليج يمثل ركناً من أركان استقرار المنطقة.

كما جدد موقف ليبيا الداعم لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته وفق القانون الدولي، محذراً من أن تقويض فرص السلام من شأنه توسيع دائرة النزاع والتطرف في المنطقة.

ليبيا تتجه إلى مجلس الأمن

وفي خطوة تعكس رغبة طرابلس في تعزيز حضورها الدبلوماسي الدولي، أعلنت ليبيا رسمياً ترشحها لشغل مقعد غير دائم في مجلس الأمن خلال الفترة 2028–2029 عن المجموعة الإفريقية، تحت شعار: «تكريس العدالة من أجل الأمن والسلام – ليبيا جسر بين الأمم».

وكانت ليبيا قد شكلت في مارس/آذار 2026 لجنة وطنية لمتابعة ملف ترشحها، فيما أكدت بعثتها لدى الأمم المتحدة أن الترشح يرتبط بما تعتبره ليبيا دورها الطبيعي في إطار التناوب داخل المجموعة الإفريقية.

ويأتي التحرك الليبي في وقت تستعد فيه الأمم المتحدة لاستحقاقات متعددة تتصل بالأمن والسلام في إفريقيا والشرق الأوسط، بينما تتولى فرنسا رئاسة مجلس الأمن خلال سبتمبر/أيلول 2026.

من ساحة نفوذ إلى دولة صاحبة قرار

وتجمع رسائل المنفي في الأمم المتحدة بين مسارين متوازيين: إنهاء الانقسام الداخلي واستعادة القرار الوطني من جهة، وإعادة تموضع ليبيا في محيطها الإقليمي والدولي من جهة أخرى.

ففي الداخل، يضع المجلس الرئاسي الانتخابات والشرعية الشعبية والمصالحة وبناء الثقة في صدارة المسار المقترح للخروج من المرحلة الانتقالية. وفي الخارج، يقدم خطاباً يرفض تحويل ليبيا إلى ساحة للتنافس على النفوذ، ويدعو بدلاً من ذلك إلى بناء علاقات قائمة على الشراكة والاستثمار والتنمية والمصالح المتبادلة.

وبذلك حمل خطاب ليبيا في نيويورك رسالة مفادها أن البلاد لا تريد أن تكون «ساحة تتوازن فوق أرضها مصالح الآخرين»، وإنما دولة تصنع توازنها بإرادتها، ولا تريد أن تتنافس الدول على النفوذ فيها، بل على الشراكة معها.

ويبقى التحدي الأساسي، بعد الخطاب الدولي، في قدرة المؤسسات الليبية على تحويل هذه المبادئ إلى خطوات عملية: تهدئة مستدامة، ومصالحة، وتوحيد للمؤسسات، ومسار دستوري وانتخابي قابل للتنفيذ، بما ينقل ليبيا من إدارة الأزمة المتواصلة إلى بناء دولة مستقرة ذات قرار سيادي.

 

قد يعجبك ايضا